الخميس 22 أكتوبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
اقتصاد

قناة البحر الميت تخرج الأردن وفلسطين من المعادلة العربية

4 أغسطس 2005

القاهرة - محمود عبدالعظيم:
يتساءل محللون إستراتيجيون عما إذا كان مشروع قناة البحر الميت الذي تم توقيعه بالعاصمة الأردنية عمان يوم 10 مايو الماضي بين الأردن وإسرائيل والفلسطينيين بمثابة رأس جسر لمشروع جيو استراتيجي إسرائيلي يستهدف تفريغ عبقرية المكان لمصر من كل عناصر القوة بمعناها الشامل والمتكامل خاصة أن هذه العناصر حققت لمصر على امتداد التاريخ القديم والحديث موقع القوة الأقليمية العظمى ولا يمكن لقوة اقليمية خارجية أو قوة عالمية وافدة أن تضمن سيطرتها على هذه المنطقة من العالم الا اذا نالت من مصر اما بالاضعاف أو بالهزيمة·
ولكن التساؤل سرعان ما يتحول الى ما يشبه الاجماع بين خبراء الاستراتيجية على ان هذا المشروع سوف يؤدي الى خلخلة المعادلة الاستراتيجية بين العرب واسرائيل على المدى البعيد لصالح إسرائيل على خلفية تفوقها الاقتصادي والتقني·
ويذهب بعض الخبراء الى أبعد مؤكدين أن المشروع ربما يؤدي في بعض مراحله الى إخراج الأردن والسلطة الفلسطينية من أي تحالفات اقتصادية عربية مستقبليه وعزلهما في إطار إسرائيلي حيث ترتبط المصالح خاصة على صعيد توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر وإحداث طفرة تنموية في صحراء النقب تترتب عليها تغييرات ديموغرافية في غير صالح الأطراف العربية·
جذور تاريخية
وارتبط مشروع قناة البحر الميت بالأوراق الإسرائيلية المقدمة الى قمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على هامش منتدى دافوس في الدار البيضاء بالمغرب عام 1994 وتواصلت أطروحاتها مع قمة عمان التالية بعد توقيع إتفاق السلام الأردني الإسرائيلي المسمى اتفاق 'وادي عربة' وكان الطرح الإسرائيلي يدور حول ربط البحر الأحمر بالبحر الميت وهو ما يخالف القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحم بين في 28 مايو 1981 بتدشين مشروع ربط البحر الأبيض بالبحر الميت واتخذت حكومة إسرائيل قرارا بدراسة انشائه عام 1977 وكونت لجنة قناة البحر المتوسط والبحر الميت وارتبط القرار الإسرائيلي بتوجيه الدعوة الى الأردن للاشتراك في المشروع وطرح بيجن على الأردن انشاء اتحاد كونفيدرالي مع إسرائيل وقدرت تل ابيب ان يكتمل المشروع عام ·1990
وإذا كان المشروع قد احتل أولوية في اجندة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدى العقود الثلاثة الماضية فإن هناك جذورا تاريخية تربط بين المشروع والفكرة الصهيونية منذ أن بدأ تيودور هيرنزل يبشر بالدولة العبرية قبل 150 عاما·
ففي العام 1850 أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة وليام ألن للنظر في شق قناة سميت لاحقا قناة السويس وأصدر تقريره الذي يقول: 'البحر الميت طريق جديد للهند' واهتم تيودور هيرتزل بالترويج للمشروع ودخلت أميركا على الخط في الثلاثينات حيث قام خبير الأراضي والري الأميركي والتركلي مودر بدراسة المشروع على الطبيعة في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين ونشر نتائج دراسته في كتاب 'فلسطين أرض الميعاد' واقترح تحويل صحراء النقب الى دولة يهودية ومد قناة بين البحرين الأبيض والميت لتوليد الكهرباء باستغلال انخفاض مستوى سطح البحر الميت عن سطح البحر الأبيض بما يعادل 398,5 متر·
ومن المعروف ان البحر الميت تبلغ مساحته نحو 1040 كيلو مترا مربعا وأقصى طوله 80 كيلو مترا ويمتد عرضه في الوسط عند منطقة 'عين الجدي' نحو 18 كيلو مترا ويتراوح عمق مياهه بين 383 مترا في شماله ومتر واحد فقط في اقصى جنوبه ويحتاج استقرار مستوى سطحه الى تدفق 900 مليون متر مكعب من المياه سنويا يأتي 75 بالمئة منها عن طريق نهر الأردن وروافده ومع استيلاء اسرائيل على الجزء الأكبر من هذه المياه انقسم البحر الميت الى حوضين في عام 1984 غير متساويين· الحوض الأصفر في الجنوب ومساحته 24 بالمئة من اجمالي البحر ولا يزيد عمقه على ثلاثة أمتار بينما يبلغ معدل عمق الحوض الجنوبي 400 متر·
ورغم الرفض الدولي للمشروع على مدى السنوات الماضية لتأثيراته على البيئة البحرية في المنطقة فإن التغييرات السياسية الأخيرة -عالميا وإقليميا- دفعت المشروع للظهور مرة أخرى وظهرت الفكرة للوجود ضمن طرح شيمون بيريز لمشروع الشرق الأوسط الجديد بإعتبارها ركيزة التعاون المشترك في قضية المياه التي تعطيها اسرائيل أولوية خاصة في ورقة عمل سبق أن قدمتها اسرائيل لقمة دافوس بعنوان 'الخيارات النمائية من أجل التعاون في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط' وهي الورقة الصادرة عن وزارتي الخارجية والمالية في إسرائيل تحت عنوان 'المشاريع الإسرائيلية' وتضمنت تقديرات أولية لاستثمارات مشاريع التعاون الإقليمي تعادل ما بين 18 و27 مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات وتضمنت تكاليف استثمارية قدرها 3500 مليون دولار لقناة تصل البحر الميت بالبحر الأحمر من اجمالي الاستثمارات المقدرة لمشاريع المياه وتبلغ 9 مليارات دولار حتى يمكن ضخ نحو مليار متر مكعب سنويا من البحر الأحمر الى البحر الميت الى ارتفاع يزيد على 220 مترا لتوليد الكهرباء·
وقدمت الوثيقة الإسرائيلية رؤيتها للتنمية المشتركة بإعتبارها التنمية فوق القومية للمجتمعات الإقليمية لإقامة تنظيم اقليمي تعتبر فيه السوق أكثر أهمية من الدول ويعتبر المناخ التنافسي اكثر اهمية من الحدود التقليدية القديمة إضافة لتفكيك القطاع العام كشرط اساسي لتوسيع نشاط القطاع الخاص مع ربط الخدمات العامة الكهربائية والطرق والمواصلات والاتصالات حتى تكون الحدود مفتوحة أمام حركة الأشخاص والسلع والخدمات·
ثمار إسرائيلية
وأكد محمد بسيوني سفير مصر السابق لدى إسرائيل إن عدم وجود خطر حالي او مستقبلي على قناة السويس من مشروع قناة البحر الميت لاسباب اقتصادية ولكن المشروع يحقق فوائد جمه للاقتصاد الإسرائيلي ففي مجال انتاج الطاقة سيوفر 50 بالمئة من مجموع استهلاك إسرائيل من الطاقة وحوالي 22 بالمئة من اجمالي انتاج إسرائيل من الطاقة الكهربائية بشكل مجاني حيث ستوفر المحطة الهيدروكهربائية التي ستقام على البحر الميت ما يتراوح بين 550 و660 ميجاوات في حين قدرت الطاقة الانتاجية للمحطات النووية التي ستقام على المشروع في صحراء النقب بحوالي 900 ميجاوات وتقدر الطاقة الشمسية المتوقع استخراجها من البحيرة الشمسية بحوالي 1500 ميجاوات وهكذا يوفر المشروع لإسرائيل اكثر من ثلاثة آلاف ميجاوات من الطاقة مع نهاية هذا القرن وهو رقم يزيد على انتاج إسرائيل الحالي من الطاقة مع تنويع مصادر هذه الطاقة وسيمكن المشروع إسرائيل من حل أزمة المياه التي ستواجهها بشكل حتمي خلال السنوات القادمة حيث ستسهم محطات تحلية المياه بمنطقة النقب في توفير المياه الصالحة للاستعمالات المنزلية والزراعية والصناعية وتتمكن إسرائيل من الاحتفاظ برصيدها من المياه المخزونة·
كما سيمكن حل مشكلتي المياه والطاقة إسرائيل من إحداث تغييرات ديموغرافية واسعة النطاق في منطقة النقب فاستصلاح الأراضي للزراعة والسكن يقتضي بالضرورة تدفق الملايين من المهاجرين قدرتهم بعض المصادر بأربعة ملايين نسمة الى المنطقة الجنوبية من فلسطين كما ان استغلال البحيرات الصناعية على جانبي القناة لأغراض السياحة والاستجمام وتربية الأسماك سيجعل صحراء النقب منطقة جذب سياحي وسكاني وسيوفر فرص عمل لثمانية آلاف من المهندسين والخبراء والفنيين وستوفر المشاريع الصناعية والزراعية والسياحية التي ستقام عليه فرص عمل لآلوف آخرين وستنشط الهجرة الى إسرائيل بعد الركود الذي طرأ عليها خلال السنوات الأخيرة·
وقال بسيوني إن المشروع سيساهم في تطوير مفاعلات إسرائيل التي تعمل في تصنيع القنابل الذرية وايجاد مصادر الطاقة البديلة للنفط كما إن بناء قوة إسرائيل الذرية من شأنه أن يمكنها من تثبيت احتلالها للأرض العربية ويعطيها الامكانات والطاقات اللازمة بشريا وعسكريا للتوسع على حساب الأراض العربية الأخرى والتلويح الدائم بالردع النووي الواسع والمحدود في وجه اي تقدم عربي وستكون القناة والبحيرات التابعة لها والحفاظ على منسوب البحر الميت او رفعه والبحيرة الشمسية المزمع انشاؤها لانتاج الطاقة في غور الأردن موانع مائية وحواجز طبيعية ذات فوائد استراتيجية لإسرائيل·
لا بديل
واكد الدكتور مصطفى الجمال أستاذ الهندسة البحرية بجامعة الاسكندرية إن مشروع قناة البحر الميت ملاحيا لا يصلح للاستخدام سوى عن طريق مجموعات من الصنادل لا تتعدى اطوالها 60 الى 100 متر نتيجة نظم الاهوسة التي يتحتم انشاؤها وتزويد المجرى البحري بها والفكرة من المشروع دخول السفن ميناء العقبة او ميناء ايلات وتفريغ حمولتها التي سيتم نقلها عن طريق استخدام المجرى الملاحي الى موانيء البحر الأبيض والعكس وهناك تنتظر سفن أخرى حيث يعاد شحنها مرة أخرى بالبضائع ومن عيوب هذه الطريقة طول فترة الانتظار للسفن في موانيء الدخول والخروج مما يعرقل استخدام هذه القناة ملاحيا ولن يكون هناك بديل لملاك السفن الا استخدام قناة السويس لسهولة الملاحة بها وانسياب المسار الملاحي مما يحقق وفرا في الوقت ومكسبا ماديا في تكاليف الرحلة· واضاف ان هناك دراسات لصالح مشروع قناة البحر الميت بهدف استبيان طرق بديلة لمناولة البضائع واعادة شحنها في اقل وقت ممكن مثل استخدام سفن يتم وضع الصنادل داخل عنابرها ويتم القاؤها حال وصولها الى المرسى الخارجي للميناء ثم تجميعها وقطرها وعبورها من خلال القناة الملاحية الى الشمال او الى الجنوب وتحميلها على سطح السفن في موانيء الانتظار وهذا سيؤدي الى طفرة في نوعيات وابعاد السفن ومن ثم في نوعية الصنادل وهذا يتطلب اموالا طائلة لا تقل عن 26 مليار دولار·
وقال إن الأسباب التي دفعت الى تحويل هذا المشروع من مجرد انبوب في دراسات سابقة الى قناة سياسية اكثر منها هندسية· ويتساءل: ماذا حدث الآن بعد مضي 15 عاما على هذه الدراسات والتي شملت تحذيرا من ان نوعية التربة الصخرية في مسار القناة قد تؤدي الى حدوث اهتزازات ارضية نتيجة حفظ الماء الهيدروستاتيكي في بعض المناطق التي ستمر من خلالها القناة والتي سيتم نحتها وتشكيلها في التربة الصخرية النارية في المنطقة بين ميناء العقبة وميناء ايلات من ناحية الجنوب وتمتد شمالا مخترقة مناطق الأراضي الفلسطينية الى أن تصل شمالا الى البحر الميت وهنا لا توجد مشاكل حيث لا تصلح ابعاد هذه القناة لمرور السفن فيما عدا الصنادل والتي يمكنها أن تحمل البضائع أو داخل صهاريج اذا كانت هذه المواد بترولية او غازية مثل الغازات الطبيعية التي تنتج اثناء عمليات التحليل الكيماوي للنفط واشتقاق مشتقاته وهنا مكمن الخطورة في حالة ان تمتد القناة لتشمل مناطق إسرائيلية وتتجه إلى البحر الأبيض·
وردا على الذرائع التي تسوقها إسرائيل لتبرير المشروع وهو أنه بمثابة مشروع تعويض لفاقد مياه البحر الحادث في منطقة البحر الميت وانه لولا هذا المشروع لحدث جفاف تام للبحر الميت يقول الدكتور مصطفى الجمال: كيف ستجف المياه خلال فترة قدرها خمسون عاما حسب الزعم الإسرائيلي مع العلم بأن هذا البحر موجود منذ الاف السنين؟ ومع التسليم بهذه النظرة غير الواقعية فكيف يتم التعويض مع انزلاق المياه من البحر الأحمر؟ وهناك مشاكل جغرافية وأخرى تنفيذية نتيجة لفرق المناسيب في ارتفاع مياه البحر الأحمر عن مناسيب البحر الميت وكذلك المناطق التي ستغرق حال تنفيذ المشروع نتيجة انخفاض مناسيبها عن سطح البحر· وتوقع حدوث آثار على توازن التربة في المنطقة وزلازل وتشققات وتصدعات الى جانب كوارث بيئية جغرافية نتيجة تغير طبيعة التربة الصخرية في هذه المنطقة وغرق بعض المناطق المنخفضة بمياه البحر·
ويقول الفريق أحمد فاضل رئيس هيئة قناة السويس يجب أن نفرق بين إنشاء القناة الجنوبية التي تربط بين خليج العقبة والبحر الميت وبين القناة الشمالية التي تربط ما بين البحر المتوسط والبحر الميت، فالقناة الجنوبية تتحقق من خلال سيناريوهين اما من خلال أنبوب يربط بين البحر الميت وخليج العقبة أو بإنشاء قناة تربط بينهما، والسيناريو الأكثر ارتباطا بالواقع هو أن تتم من خلال أنبوب يربط ما بين الخليج والبحر الميت، ودراسات الجدوى لهذا المشروع تقدر بنحو 20 مليون دولار بتمويل من البنك الدولي أما القناة الشمالية فلها ثلاثة سيناريوهات ومكلفة اقتصاديا جدا·
والدراسات جميعها تدور حول إنشاء القناة الجنوبية في المرحلة الأولى الحالية ولابد أن نفرق بين ما يجري دراسته من ربط ميناء إيلات على خليج العقبة بالبحر الأحمر بالبحر الميت وبين ربط البحر الأحمر بالمتوسط عبر عدة أهوسة وقناتين جنوبية وشمالية للبحر الميت، والقناة الجنوبية تقوم على فكرة تعويض الفاقد من مياه البحر الميت والتي تتبخر بمقدار 100 ألف متر يوميا واستغلال تساقط هذه المياه في توليد الطاقة الكهربائية والدراسات الجادة للقناة الجنوبية في هذه المرحلة، تقدر أن تتكلف 4 مليارات دولار لكن القناة الشمالية غير اقتصادية ومكلفة جدا· وعموما فإن قناة السويس خارج المنافسة حتى لو تم إنشاء القناتين الجنوبية والشمالية، لكن الخطر الحقيقي في إنشاء هذه القناة هو تأثيرها المدمر على الحياة المائية والبيئية في منطقة خليج العقبة بالكامل والتي تعد من أهم المحميات المائية في العالم·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©