أحمد النجار (دبي)
تراكم التوتر والشعور بالقلق، أعراض تسببها الموجات الكهرومغناطيسية التي تبثها الهواتف الذكية أثناء تصفحها الليلي، حيث تصدر عنها إشعاعات ضارة لا يألفها الجسم، تضعف الجهاز المناعي، مع احتمالية الإصابة بالسرطان واضطرابات متكررة ينتج عنها اختلال النظام البيولوجي للنوم، وأكدت دراسات طبية أجريت مؤخراً أن أكثر من 40% من أصحاب الهواتف الذكية ينامون قرب هواتفهم وهم بذلك كمن ينام جوار حقل مغناطيسي، من دون علمهم أن أجسامهم تغدو عرضة لإشعاعات عالية التردد تخترق المخ.
وصنفت الدكتورة هدى شقفة من مركز ملهم الطبي في دبي، اضطرابات النوم إلى ثلاثة أنواع، الأرق وحدوث هواجس القلق، التي تحول دون التمكن من الدخول إلى مرحلة النوم، والثاني النوم المتقطع حيث يستفيق الشخص أكثر من مرة أثناء النوم، والثالث انقطاع النفس أثناء النوم، ويتخلله عدم استقرار الذهن والتعرض إلى «الكوابيس»، مشيرة إلى أن أهم تشخيص للحالات التي تعاني اضطرابات النوم، هو شعور الإنسان عندما يستيقظ بأنه لم يأخذ كفايته أو راحته من النوم وبالتالي تقل الفائدة الجسمانية والذهنية.
هرمون النوم
وأوضحت أن «الميلاتونين» أو ما يعرف هرمون النوم أو الظلمة، وهرمون السيروتونين، يعملان على تنظيم النوم، وأن الاستخدام الخاطئ لشاشات الهواتف أو الأيباد أو التلفزيون يسبب القلق ويمنع الجسم من الوصول إلى مرحلة الراحة الكافية، موضحة أن الخطر الأكبر يكمن في شاشات الهاتف، كونها تحتوي على نسبة عالية من الإضاءة الزرقاء، التي تعيق إفراز هرمون «الميلاتونين» الذي يساعد على النوم المريح، وتسبب التوتر العصبي، فضلاً عن أثرها المباشر على البصر، والقدرة على التركيز.
وأشارت إلى أن أبرز الأمراض المتعلقة بالشاشات الذكية، العزلة التي تفصل المستخدم عن محيطه الأسري، وهذا لا يقتصر على فئة عمرية معينة، حتى أن تعلق الأطفال بالشاشات الإلكترونية، يؤثر على نموهم العقلي والجسماني، وعلى مستوى تركيز المراهقين وتواصلهم الاجتماعي، ويؤدي أحياناً إلى حالة الاكتئاب وتحفيز حالات الصرع والتشنج العصبي والعضلي، وحدوث مشكلات في الجهاز العضلي وفقرات الرقبة والكتف.
نماذج وحالات كثيرة، نستعرضها من ملفات عيادات طبية ومستشفيات متخصصة في أمراض النوم، محمد عطية فلسطيني، طبيعة عمله تجعله يجلس أمام الشاشة بالمكتب ساعات طويلة، ويضطر بقية يومه أن يكمل بعض المهام أمام شاشة الهاتف خاصة في الليل، وبعد مرور سنوات على هذا العمل، بدأ يفقد توازنه ويشعر بأنه غائب عن الوعي ولا يدرك المكان الذي يتواجد فيه، وأحياناً يفقد الذاكرة لبرهة ثم تعود إليه فجأة، وبزيارة الطبيب، اتضح أنه على أعلى درجات التوتر العصبي، ويقترب من الصرع، وعندما امتنع محمد عن التعرض للشاشات الإلكترونية، لمسّ تحسناً كبيراً في صحته النفسية واستقراره الذهني والعصبي.
وتنصح الدكتورة هدى الأهالي بعدم تعريض الأطفال من عمر سنة إلى 5 سنوات للشاشات الإلكترونية، حيث يؤدي ذلك إلى صعوبات في النطق وضعف التركيز وتحفز على التوحد لدى بعض الحالات، وضرورة التقيد بنظام نوم صحي.
وأكدت أنه من الخطأ إدمان النوم على شاشات الهاتف أو الآيباد والتلفزيون، وتأخير ساعة النوم، حيث يؤدي هذا السلوك إلى مرحلة الشيخوخة المبكرة وأمراض عديدة مثل قرحة المعدة والتشوش العقلي وعدم التركيز والزهايمر وأمراض السكر والضغط، فضلاً عن اختلال بعض وظائف الأعضاء الجسمانية في عمر مبكر.
خمس ساعات
ومن الناحية النفسية، فإن اضطرابات النوم تؤثر سلباً على صفو المزاج وحدة الطبع وإشعال فتيل التوتر، وبهذا الخصوص، قال الاختصاصي النفسي الدكتور نادر ناغي، إن الضوء الأزرق المبعث من شاشات الأجهزة، لون محفز على اليقظة، فضلاً عن كونه مضراً بالصحة والذهن والمزاج، مشيراً إلى أن هنالك أشخاصاً لم يعودوا قادرين على النوم خمس ساعات متواصلة بسبب الإجهاد والتفكير، الذي يتم استنزافه ذهنياً ونفسياً على محتويات «السوشيال ميديا» سواء تعليقات أو أخبار أو بث منشورات، وكلها بالنهاية تنعكس على الحيوية والمزاج النفسي للشخص فور استيقاظه، وتؤثر على أدائه المهني.
ولفت إلى أن التعرض الطويل للشاشات، يؤدي إلى حالة هذيان وخلل في الذاكرة، ناهيك عن الإرهاق الجسدي وضعف القدرة في التواصل وبناء علاقات جديدة، نتيجة الاعتماد الكلي على العالم الافتراضي، ونصح بعدم تواجد أي نوع من الأجهزة الإلكترونية أو الشاحن في غرفة النوم، نظراً إلى هناك انبعاثات ضارة من الأجهزة تخترق المخ والجسم، وتسبب مشكلات نفسية على المدى الطويل، إلى جانب خطورة السماعات اللاسلكية التي تصدر موجات ضارة بالدماغ.
وأشار إلى أن مشكلات تصفح الأجهزة أو ممارسة الألعاب، أو حتى فكرة التعلم عبرها لفترات طويلة، يكون مردودها عكسياً على خلايا الدماغ ويضعف التركيز ويشتت الذهن، ويعطل بعض وظائف الإدراك، فضلاً عن ما يلقيه من أعرض أخرى مثل الصداع والشعور بالإعياء البدني وعدم التركيز والإحباط بسبب التعب المزمن، مشدداً على إطفاء كل المحفزات الضوئية لتأمين بيئة مريحة تساعد على تغذية الأجسام بساعات كافية من النوم العميق الذي يشحن الأعضاء بالطاقة الذهنية والبدينة.
التحصيل الدراسي
واستعرض الدكتور هادي جرداق أخصائي أمراض النوم حالات تعاني من مشاكل النوم بسبب الألواح الذكية، وذكر نموذجين، أحدهما لشاب عمره 11 عاماً لاحظ أهله تراجع تحصيله العلمي من خلال علاماته في المواد الدراسية، إلى جانب صعوبة استيقاظه مبكراً، وكان ينام يومياً ساعتين بعد الظهيرة، وعند التعمق في أجندة النوم الخاصة به، تبين أن الطالب ينام في الساعة الرابعة فجراً، بعد أن يقضي الليل في تصفح الإنترنت، مما أدى إلى فقدان تركيزه الذهني أثناء الدراسة وشعوره بالتعب والإرهاق طوال اليوم، إلى جانب تدهور صحته وحيويته وشعوره الدائم بالاهتزاز النفسي، وبعد تقديم النصح لأهله بمراقبة نظامه في النوم، لاحظوا عودته إلى حالته الطبيعية.
وذكر نموذجاً آخر، لطفلة عمرها 8 سنوات، تعاني فرط الحركة مع ضعف الوعي والتركيز أثناء النهار، وحين تم فحصها تبين أن أهلها كانوا يحفزونها على تصفح الألواح الذكية لساعات لكي تستطيع أن تنام، وهذا خطأ كبير، أدى إلى تفاقم حالتها، فتم تقليل تعرضها للأجهزة اللوحية وأظهرت تحسناً ملموساً.
مستويات الإدراك
ووفق دراسة أجريت على 100 مريض من الحالات التي زارت قسم أمراض النوم في مركز طبي بأبوظبي، فإن 20% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين سنة إلى 12 سنة، يعانون الأرق المتفاوت بين البسيط والحاد، وهناك 20% يعانون حالات مزمنة في فرط الحركة وقلة التركيز والصداع وتراجع مستويات الإدراك والوعي وضعف التحصيل الدراسي.
ووفق دومينيك زنكوفيتش، المتخصص في تقنيات النوم المريح، فإن الأجهزة الإلكترونية تبث أثناء عملها موجات كهرومغناطيسية، وفائدة هذه الموجات إتاحة النقل السريع للبيانات، إلا أنها تنطوي على تأثيرات جانبية خفية لا نراها أو نشعر بها في أغلب الأحيان، وتلقي بآثارها السلبية على الصحة مع مرور الوقت، مشيراً إلى أن منظمة الصحة العالمية تصنف الموجات الكهرومغناطيسية كأحد العوامل المسرطنة من الفئة 2B، بالإضافة لارتباطها المتكرر بعدد من المشاكل الصحية الأخرى، منها الحرمان من النوم الجيد.
وحذر من تأثيرات الهواتف والتصفح الليلي على النظام البيولوجي للنوم، بسبب انبعاث الموجات الكهرومغناطيسية على شكل إشعاعات خطرة تؤدي إلى عرقلة أنماط النوم بسبب تداخلها مع الموجات الدماغية وآلية عمل الجهاز المناعي، ومع خروج دورات النوم عن نظامها يتعذر علينا بلوغ مرحلتي النوم العميق وحركات العيون السريعة أثناء النوم، وهي المراحل الأساسية التي يجدد فيها الجسم طاقته ويتخلص من السموم.
وشدد على أهمية تخصيص وقت لممارسة التمارين الرياضية والاستفادة من ضوء الشمس لتعزيز المستويات الصحية لإنتاج هرمون الميلاتونين، حيث يؤثر التعرض للضوء الطبيعي وأشعة الشمس على موعد الاستيقاظ في الصباح، إلى جانب تحديد الوقت اللازم للخلود إلى النوم ومدى جودته. ويعود ذلك لدور أشعة الشمس في تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، والتي تسير وفق دورة الليل والنهار الممتدة لـ 24 ساعة، أو ما يُعرف بالتواتر اليومي.
إدارة التوتر وتنظيم المزاج
لفت دومينيك زنكوفيتش، المتخصص في تقنيات النوم المريح إلى ضرورة اتخاذ خطوات لإدارة التوتر من خلال تناول الأغذية التي تساعد على النوم وتجنب تلك التي تؤدي لاضطراب النوم، حيث يمكن إضافة الأغذية التالية إلى أطباق العشاء أو تناولها كوجبات خفيفة قبل النوم، وهي: الأجبان، واللوز، وأصناف البسكويت المصنعة من الحبوب الكاملة، والكرز، والحليب قليل الدسم، والموز.
وبجانب ذلك، ينبغي الحرص على الحصول على كميات كافية من فيتامين د، والذي يلعب دوراً هاماً في تنظيم المزاج ودعم الوظائف المناعية، كما أنه يساعد في السيطرة على الالتهابات، أما الأغذية التي يجب تجنبها للحصول على نوم أفضل خلال الليل فتشمل: القهوة وغيرها من المواد الغنية بالكافيين، والكحول، والأطعمة الحارة والغنية بالدهون.
قواعد النوم
* ضبط الساعة البيولوجية وبرمجة الأوقات المثالية للنوم بحسب الاستيقاظ.
* الخلود إلى النوم في الموعد نفسه يومياً.
* تناول العشاء قبل ساعتين من النوم والامتناع عن شرب المنبهات في وقت متأخر ليلاً.
* استبدال الأنوار الفسفورية بأخرى هادئة لتهيئة بيئة محفزة للنوم.
* إخلاء الغرفة من أجهزة الهاتف والشاحن لضمان عدم تسرب الإشعاعات التي تخترق الدماغ.
* قراءة كتاب أو الاستماع إلى موسيقى هادئة.
* عدم تصفح مواقع «السوشيال ميديا» قبل النوم لإشغال الذهن بحياة الآخرين.
* الاستحمام في الليل عوضاً عن النهار.
* اختيار وسائد مناسبة وأنواع فراش طبية تحجب 99.9% من الأمواج الكهرومغناطيسية.