أحمد النجار (دبي)
يعيش على أرض الإمارات أعداد كبيرة من أبناء باكستان، مما يفسر عمق الارتباط الاجتماعي ومدى التقارب بين الشعبين، ويعكس مستوى الاستقرار الذي ينعم به أبناء الجالية الباكستانية على أرض الإمارات، حيث يجدون الكثير من عناصر الحياة التي تنسجم مع عاداتهم وطقوسهم وأكلاتهم وحتى أنشطتهم الرياضية، مثل بطولة دوري «السوبر الباكستاني للكريكيت»، الذي يمثل متنفساً للكثير من أبناء الجالية الباكستانية، سواء بحضور تلك المباريات أو بممارستها كهواية أسبوعية في أندية كثيرة وأماكن مختلفة في أنحاء الدولة.
ويوجد الكثير من المطاعم الباكستانية المتخصصة في الأكلات الشعبية خلال الشهر الكريم تقدم مشروب «روح أفزا» الذي يتصدر المائدة، فضلاً عن مراكز جذب تشكل حاضنة ثقافية مثل المركز الاجتماعي الباكستاني في الشارقة الذي يستعيد العادات والتقليد كحفل زفاف الطفل الصائم للمرة الأولى، بما يقدمه من أنشطة وندوات وفعاليات متنوعة تشكل تبني جسوراً للتلاقي الحضاري بين باكستان وثقافات عربية وأجنبية مختلفة.
رحلة 48 عاماً
أحوال الجالية الباكستانية في الإمارات، تتضمن قصصاً مختلفة عن تجارب عيشهم واندماجهم في المجتمع، إلى جانب تطلعاتهم الحياتية وحظوظهم المهنية التي تحققت في الإمارات، إلى جانب طقوسهم اليومية ومظاهر احتفالاتهم الاجتماعية والدينية التي يمارسونها وسط أجواء مفعمة بالألفة والتعايش، ومن أبناء الجالية، بشير أحمد محمود، الذي يعيش في الإمارات، منذ 48 عاماً، يعمل مهندساً في مطارات دبي، معرباً عن سعادته واندماجه في نسيج المجتمع الإماراتي، فلم يشعر بمعاناة الاغتراب، بالنظر إلى رفاهية الحياة، وتنوع الفرص وتعدد مصادر الدخل بطريقة تعزز الاستقرار المعيشي وتأمين سبل العيش الرغيد، فضلاً عن جوهر القيم والتقاليد المجتمعية التي تفرض ثقافة الاحترام والتعايش بين الأجناس والأعراق تحت مظلة التسامح الإنساني وقبول الآخر.
وأشار إلى أن هذه العقود من الزمن تستحق التدوين في كتاب بكل أفراحها وأتراحها ويصفها بأزهى فترات حياته بكل ما يرافقها من تجارب ملهمة ومحطات مهنية وإشراقات حضارية تعلم منها الكثير من الصبر والأمل والتفاؤل، وفسّر الدافع الحقيقي وراء استقراره في الإمارات: لقد أصبحت هذه البلد في أول 5 سنوات جزءاً من وجداني، وأعتبرها بلدي الثاني الذي لا أتخيل أن بوسعي أن أتركه بعد كل هذه الحمولة من الذكريات.
بشير لديه أربعة أولاد، أحدهم نعمان وهو من أصحاب الهمم، لافتاً إلى أنه وجد الكثير من الدعم والاهتمام، ويطمح لأن يجد له فرصاً أكثر في اندماجه بالمجتمع.
سائق أصبح تاجراً
محمد محيي الدين، يعمل تاجر أقمشة، أمضى 23 عاماً في الإمارات، لديه رحلة كفاح طويلة عاش محمد فصولها من الصفر، فقال جئت إلى دبي، بحثاً عن الرزق، مثل الكثيرين من أبناء الجاليات الذين وجدوا في هذا البلد ما لم يجدوه في بلد آخر، كنت عاقدا النية على قضاء 4 سنوات لتأمين مستقبلي والعودة إلى باكستان للزواج وبناء أسرة صغيرة، لكنني أدركت متأخراً أن هذه الغاية كانت السيناريو نفسه الذي كان يخطط له كثيرون، من الذين ما لبثوا أن فرشوا أحلامهم هنا، وأدمنوا على عناصر الحياة التي توفرها بكل ما تحفل به من احترام إنساني وأمان مجتمعي واستقرار معيشي ونظام يسري على الجميع دون تمييز.
ولفت إلى أن رفاهية الاندماج وسهولة الحصول على الفرص ساهمتا في فتح المجال للتفكير خارج الصندوق، فبدلاً من مهنة سائق تاكسي التي قضى فيها نحو 5 سنوات، فكر محمد في توجيه بوصلة مستقبله للتجارة، فبدأ في استيراد أنواع من الملابس الجلدية إلى دبي، ثم توسع نشاطه ليفتح محلاً بالشراكة مع آخر، بعد ذلك قرر شراء حصة الشريك، وفتح منافذ بيع أخرى منها في القرية العالمية، وطوال هذه الفترة، حقق كل أحلامه، ويعيش حالياً برفقة أبنائه الذين وجدوا مناخاً صحياً لممارسة حياتهم سواء في البيئة المدرسية أو الأمان الاجتماعي الذي يفتقر إليه كثير من البلدان.
حفلات فنية ونجوم
وقال أمين عمران إن الإمارات تتفوق على بلدان أوروبية كثيرة في مستوى العيش ومنظومة القيم والقوانين التي تحمي حقوق المقيمين على أرضها، وتكفل لهم كافة الحقوق والحريات في ممارسة طقوسهم الدينية ومعتقداتهم ومزاولة أنشطتهم الاجتماعية وهواياتهم واهتماماتهم، مشيراً إلى أن هناك متنفسات كثيرة، خاصة بأبناء الجالية الباكستانية ولديهم مدارس خاصة ونواد اجتماعية وحفلات فنية وترفيهية، حيث تحرص الإمارات على استضافة مشاهير ونجوم بالتزامن مع مناسباتهم الوطنية وأعيادهم الخاصة.
صداقة إنسانية
ولا يخفى على أحد أن العمالة الباكستانية تشغل حيزاً كبيراً من المهن التي تسهم بشكل كبير في خدمة المجتمع وتنمية اقتصاده ورفد قطاعاته المختلفة، وهناك نخبة كبيرة من التجار والأطباء والمهندسين والمهنيين والمستثمرين الكبار الذين يديرون مشاريع اقتصادية وشركات كبرى، كل هؤلاء يعيشون في الإمارات، كما لو أنها بلدهم، بفضل التواصل الروحي فيما بينهم ووجود قواسم ثقافية مشتركة مع كثير من أبناء الجاليات الآسيوية، حيث يلتقون معهم في اللغة والعادات ونمط الطعام والطقوس وغيرها.
نور برهان، هندي، وسلطان صالحي، باكستاني، زميلان في مهنة توصيل طلبات أحد المطاعم العالمية، وصديقان، برهان 27 عاماً، على قناعة تامة بأن طبيعة الحياة في الإمارات تذيب كل الفوارق والاختلافات وتجمع الأجناس والأعراق كافة تحت مظلة الأخوة الإنسانية، إلى جانب الشفافية وحسن التعامل من قبل أرباب العمل اللذين يكفلهما وينظمهما القانون الإماراتي، فينعكس هذا على استقرار الوضع المعيشي للعامل ويصون ويضمن له كافة حقوقه، كلام يتفق معه سلطان، مشيراً إلى صداقتهما الطويلة، حيث يتمنى لو يستطيع أن يجلب أسرته للعيش هنا، فقد تعود على نمط العيش والنظام والاحترام في الإمارات، ويتمنى أن يحقق فيها أحلامه كلها.
مائدة رمضانية
المظاهر الرمضانية التي يعيشها أبناء جالية باكستان كثيرة وتكاد تتشابه مع العادات والتقاليد العربية، في السلوكيات اليومية التي تتعلق باللمة الاجتماعية والإفطار الأسري وازدهار أفعال الخير ومظاهر العبادة التي تتمثل في تهذيب النفس وقراءة القرآن والاعتكاف وإخراج الزكاة والإكثار من الصدقات وتبادل الأطباق وتعزيز الأواصر بالزيارات بين الأهل والأقارب والأصدقاء وغيرها.
ويشير نبيه عثمان إلى أن مائدة رمضان تضم عناصر كثيرة أهمها المشروب التقليدي «روح أفزا»، وهو ممزوج مع الحليب والمكسرات، وتتصدرها قائمة من الأطباق مثل الشوربة بالدجاج أو الذرة والكبسات والبرياني المطعمة بالبهارات الحارة إلى جانب الكباب والسمبوسة والباكورة، وهي عبارة عن بطاطا مقلية بالزيت مع الحمص ونفحات التوابل.
زفاف الطفل
أشار نبيه عثمان إلى أن هناك طقوسا مختلفة يعيشها الباكستانيون في الإمارات، كتقليد اجتماعي، حيث يقيمون حفل زفاف للطفل الذي يصوم لأول مرة، ويحتفون به، كما لو أنه «عريس» في ملابس مهيبة تشبه ملابس العرس مع غطاء ذهبي يزين رأسه، وهذا يعد أحد الموروثات الأصيلة لدى الشعب الباكستاني، الذي يهدف في جوهره إلى تشجيع الصغار على الصيام في سن مبكرة، كما يحرصون على تبادل الهدايا والفوانيس المزخرفة التي يمنحونها للصغار أثناء الزيارات الأسرية والاجتماعية.
حذاء العريس
قال طاهر أحمد موظف في شركة عقارية (40 عاماً)، إن مظاهر الاحتفال بالزواج لدى الباكستانيين، ترتبط بعادات وتقاليد متوارثة منذ القدم، مشيراً إلى ارتداء العريس الحذاء أثناء جلوسه بجانب عروسه، وأحياناً تقوم أخت العريس بإخفائه لمطالبة العريس باسترداد ما أنفقته العروس من مصاريف لتأثيث عش الزوجية، فيقوم العريس بتعويضها عن كل ما أنففته في ليلة الزفاف.وقال إن هذه الطقوس ترافق الأسرة الباكستانية في كل بلد، فلا تزال هناك أسر تمارس تلك المظاهر في الإمارات وحتى في بلدان أخرى.