الأربعاء 28 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
علوم الدار

زواج كبار السن إشباع الرغبة مقابل الجنسية

23 سبتمبر 2005

تحقيق- عبدالله النعيمي:
سواء كانت ظاهرة بتعريف علم الاجتماع أم لم تكن كذلك، إلا أنها ليست أمرا جديدا مفاجئا، و بالتأكيد هي مشكلة كبيرة ومتجذرة في مجتمعنا تظهر تداعياتها يوميا وبشكل صارخ لايترك مجالا للشك بضرورة تدخل تشريعي تسن بموجبه قوانين تحمي حقوق الجميع، بمن فيهم·· بل وأولهم الوطن الذي يرزح تحت كمّ من المشكلات المترتبة على هذه المعضلة- إن صح التعبير·
فقد أكدت فعاليات قضائية ونفسية وأسرية خطورة زواج كبار السن من فتيات صغيرات، موضحة أن قلة الوعي والإدراك في المجتمع أسهمت في تفشي الظاهرة· وحسب ما تراه هذه الفعاليات، فإن أبرز أهداف زواج كبار السن من زوجات يصغرنهم بعقود من الزمن، واللواتي غالبا ما يكونن من دول آسيوية، هو مصلحة متبادلة ومقايضة الخاسر الوحيد فيها الأبناء والمجتمع· فبالنسبة للأزواج، يدفعهم هدف الإشباع الجنسي ومحاولة يائسة لتحويل خريف العمر إلى ربيع ولو بشكل مؤقت، مقابل حصول الزوجة على جواز سفر وجنسية الدولة والسكن والإرث· وأشارت تلك الفعاليات إلى أن ذلك الزواج يفتقد الوئام والمودة، وهو معرض للخطر والانحراف بسبب عاطفة الزوجة التي عادة ما تكون مليئة بالغضب تجاه زوجها والرفض الداخلي لنفسها وكره المجتمع، إضافة لما ينتج عنه من سلبيات على الأطفال وعلى قيم وعادات المجتمع والتي يصعب حصرها؛ مؤكدين أن أبرز سبب دعاوى كبار السن في المحاكم ترجع للضعف الجنسي لدى الزوج·
وطالبت تلك الفعاليات بتشكيل لجنة تشرف على عقود الزواج لفئة كبار السن لتبدي الموافقة أو الرفض، كما أبدت مصادقتها على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد والذي أعطى أهمية كبيرة للفارق العمري بين الزوجين·
وفي هذا الإطار، يقول سعادة محمد جاسم الشامسي القاضي الشرعي بمحاكم دبي، إن الغاية من الزواج في الشريعة الإسلامية هي إنشاء أسرة مسلمة تكون لبنة صالحة في المجتمع وتهدف للذرية الطيبة التي تتربى على أسس الإسلام وتعاليمه، فليس الهدف الإشباع الجنسي كما يظن البعض، بل إن نظرة الإسلام للزواج أرقى من ذلك بكثير، فالله تعالى أوضح الأهداف السامية في آياته الكريمة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن ذلك لآيات لقوم يتفكرون)·
وأضاف سعادته: إن التوافق العمري بين الزوجين يعد من العناصر المهمة والمساهمة في استمرار المودة والألفة بينهم، فكلما تقاربت الأعمار تقارب الفهم في الطرفين وتعزز الوئام بين الزوجين، إلا أن قلة الوعي والإدراك في المجتمع أفرزت تفشي ظاهرة كبار السن من الفتيات الصغيرات لبحثهم عن الجمال، في حين أن زوجاتهم الصغيرات عادة ما يكون هدفهن البحث عن المال، فينشأ الزواج بينهما على المصلحة وعلى اللذة ليس إلا، وتغيب عن هذه الزيجات، التي غالبا ما تكون الزوجة فيها غير مواطنة، معاني الوئام والمودة والسكن والتفاهم، بل إن تلك الزيجات تفرز العديد من الآثار الخطرة على مجتمعنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا·
رأي فقهي
وفيما يتعلق الناحية الفقهية، قال القاضي الشرعي محمد جاسم الحوسني إن الإسلام لم يحدد عمرا بعينه للزوجة بل ترك ذلك للعرف، وهذا من كمال التشريع الإلهي حيث يعتمد الإسلام في جزء من المعاملات على مبدأ (استحسان ما يراه الناس حسنا)، وبالتالي فإن للقاضي أن يمتنع عن إجراء عقد الزواج إذا وجد أن هناك ضررا ظاهرا على الزوجة بسبب الفارق العمري الكبير· وأما الذين يتحججون بالأحاديث عن نبينا محمد(ص) أنه تزوج عائشة رضي الله عنها وهي ذات ست سنين وبنى بها وهي ذات تسع سنوات وهو في عمر أبيها، فنقول بأن هذا قياس مع الفارق والحكم في ذلك يختلف على اعتبار أن العرف في ذلك الزمان قد جرى على زواج كبار السن من الفتيات الصغيرات، ولو كان الأمر منتقدا لما سكت المشركون على هذا الزواج، علما بأنهم من أكثر الناس ايذاء للنبي·
ويضيف: من الخطأ أن نقيس أعرافنا بأعراف ذلك الزمان، بل إن زواج الرسول (ص) من عائشة كان بعد بلوغها سن مبكرة كحال بنات الجزيرة العربية في ذلك الزمان بل تميزت بكبر عقلها، فقد كانت نيرة الفكر وروت عن نبينا محمد(ص) 2210 أحاديث وكان لها دورها الكبير في الدعوة ونشر الإسلام والعلم· وقال بعض العلماء إن ربع الأحكام الشرعية علم منها وعلم جميع النساء، كان علم عائشة، بل إن الإمام الزهري قال: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين لكان علم عائشة أفضل· وبالتالي فإن صغر سن عائشة رضي الله عنها كان سببا في نشر السنة بعد وفاة النبي لفترة طويلة، وعليه يتضح عدم صحة قياس بعض زيجات هذا العصر التي تقوم على المصلحة واللذة والمال بين زواج نبينا محمد(ص) وعائشة أم المؤمنين، بل إننا نستطيع أن نقول إن كون نبينا هو الزوج فهذا بحد ذاته يجبر كل نقص·
ويشير الشامسي: للقاضي أن يمتنع عن إتمام عقد الزواج إذا وجد فارق السن كبيرا بين الزوجين وهي سلطة تقديرية له، وكلما صغر سن الزوجة كان ذلك أدعى للرفض·
ويوضح: من الأمثلة الواقعية للحالات التي رفضت مؤخرا بعد أن عرضت علينا لإتمامها عقود زواج، منها حالة مواطن مسن يبلغ من العمر 58 عاما يرغب بالزواج من طفلة وافدة عمرها 13 عاما· وبعد الاطلاع على مستندات كل من الرجل والفتاة، تم رفض الزوج للفارق العمري بينهم وكذلك للضرر الواقع على الطفلة· فكما أسلفت، فإن القاضي يجب أن يراعي مصلحة الطرفين معا لا مصلحة احدهم فقط ·
وحول مواجهة مشروع قانون الأحوال الشخصية المزمع إقراره لزواج كبار السن من الفتيات الصغيرات، قال الشامسي: نصت المادة رقم (21/2) (انه إذا كان الطرفان غير متناسبين سنا، بان كانت سن الخاطب ضعف سن المخطوبة أو أكثر، فلا يعقد الزواج إلا بموافقة الخاطبين وعلمهما، وبعد إذن القاضي، وللقاضي أن لا يأذن به ما لم تكن مصلحة في هذا الزواج)· وتعد هذه المادة من المؤيدين لهذا الاتجاه السديد، لاسيما وأنه أعطى القاضي صلاحية أن لا يأذن بالزواج حتى ولو أن طرفي العقد موافقان على الزواج، وبالتالي هذا من شأنه أن يقلص حالات زواج كبار السن من الفتيات الصغيرات·
من جانبه أكد عبدالباسط مرسي الموجه الأسري بمحاكم دبي، أن من أبرز أسباب وصول دعاوى الأزواج كبار السن للمحاكم ترجع لضعفهم وعجزهم الجنسي، علاوة على طلب الزوجة إلزام زوجها بزيادة قيمة النفقة وطلب الحصول على جواز سفر وجنسية الدولة، وقد يكون هذا من أسباب قبول الزواج من الرجل المسن·
وأضاف أن من المتخصصين من يرجع سبب هذا الزواج إلى أنه زواج مصلحة بهدف الإشباع الجنسي للزوج، مقابل حصول الزوجة على الجنسية والمسكن والإرث؛ لافتا إلى أن سلبيات هذا الزواج عديدة على الأسرة والأطفال والمجتمع، فالأسرة تصبح مفككة نتيجة عدم الانسجام بين الزوج وزوجته لاختلاف العمر والعادات والتقاليد واللغة والثقافة، حيث يتعرض الأطفال لسلبيات عديدة منها أن الطفل لا يستقر نطقه على لغة ولا يعرف لنفسه هوية، إضافة لانكسار وضعف شخصيته خلال طفولته والتي تعيقه خلال مرحلة دراسته، وإذا خرج للمجتمع وللحياة العملية لاحقا يتفاجأ بعادات المجتمع ولغته·
وعن الحلول لتقليص هذه الزيجات، اقترح عبدالباسط تقنين مسألة الزواج عن طريق إخضاعها لموافقة لجنة تدرس حالة كل من الرجل والمرأة وتجيب أو ترفض حسب ما يبديه كل من الزوج والزوجة من حاجيات، إضافة لذلك لابد أن يعزز الأبناء توعية آبائهم·
غير لائق اجتماعيا
من جانبه أكد خليفة المحرزي المستشار في مركز الأسرة السعيدة بدبي، أن هذا النوع من الزواج ليس في إطار الزواج بقدر ما هو صفقة ترضى بها الفتاة صغيرة السن للحصول على المال ونشل أسرتها من الفقر·
وأوضح: إذا كان الهدف من هذا الزواج هو تحقيق المنفعة المادية، فيعد زواجا لا يرضى عنه الله على اعتبار أنه قائم على أساس استغلال ظروف الزوجة التي يتم زفافها لزوجها في إطار صفقة، فالزوج يحصل على المتعة والزوجة تحصل على المال· وقال: غالبا ما نرى الكثير من المشاكل الأسرية تظهر بين الأزواج الذين يكون فارق العمر بينهم كبير، إلا أن ذلك في النهاية لا يمكن أخذه على إطلاقه، حيث نجد مثلا بعض الرجال الكبار في السن يفضلون الارتباط بفتاة صغيرة السن ليستمتعوا بشيخوختهم، كما نرى بعض الفتيات الصغيرات ينجذبن إلى رجال في أعمار آبائهن، وذلك إما بحثا عن الحنان أو بحثا عن القدرة المالية· موضحا ان سلبيات ذلك الزواج لا تعد ولا تحصى، وأكثر الافرازات السلبية يدفع ضريبتها الأطفال الذين يتعرضون للأمراض النفسية وضياع لغتهم العربية، إضافة لتأثير ذلك الزواج على المجتمع من خلال زيادة أعداد الأيتام في بالدولة·
وأضاف المحرزي: لا ننكر أن زواج الرجل الكبير من فتاة تصغره بسنوات قد حللته الشريعة الإسلامية ولا جرم فيه ما دام الزواج قائما على المودة والرحمة، إلا أن الفارق الكبير في السن يخضع لبعض القواعد الشرعية في أنه لا ضرر ولا ضرار، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح·
وأكد المحرزي أنه وبحسب علم الاجتماع فإن الفارق الأكبر في السن والذي لايؤثر على العلاقة بين الأزواج هو عشر سنوات كحد أعلى، حيث يكون بمقدور كلا الزوجين الارتباط دون أن يكون فارق السن عائقا في نجاح العلاقة الزوجية· وأعتقد من وجهة نظري أن زواج كبار السن من فتيات في عمر العشرين أمر غير لائق اجتماعيا·
تداعيات وأمراض نفسية
وفيما يتعلق بالجانب النفسي لحياة كبار السن المتزوجين من فتيات صغيرات، يرى الدكتور النفسي عامر سعد الدين أن من حق أي شخص اتخاذ قراره بالزواج أو الارتباط بالمرأة التي يراها مناسبة له ولا يستطيع أي مشرع التدخل أو سن القوانين التي تمنع زواج كبار السن من الفتاة التي يرغبون بالزواج منها، حيث أن عقود الزواج الحالية لا تشترط تناسب العمر بين الزوجين· غير أن هناك معطيات وحقائق يجب عدم إغفالها، وهي أن سبب معظم حالات زواج كبار السن من فتيات في عمر صغير تعود لحاجة تلك الفتيات للمال والخروج من حالة الفقر التي يعشنها، وبذلك يتحول الزواج من زواج يهدف للاستقرار لزواج أشبه بالتجارة والمصلحة·
ويضيف: بتحول الزواج للتجارة المصلحة، ظهرت العديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية، فعاطفة المرأة المتزوجة من رجل يكبرها بعقود من الزمن تكون عاطفة مليئة بالغضب والرفض الداخلي، لاسيما وأنها على علم بالهدف الأساسي من زواجها· وعليه، تبدو خلال حياتها بلا إحساس نظرا لفقدانها قيمتها كامرأة وانسانة بل إن البعض منهن يصل بهن الحال إلى الحقد وكراهية المجتمع، والقيام ببعض التصرفات المدفوعة تجاه الزوج نفسه·
ويقول الدكتور عامر: وإذا تحدثنا عن الزوج في مثل هذه الحالات، فإنه عادة ما يكون عارفا بأن زوجته قد وافقت على الزواج منه لأسباب اقتصادية أو اجتماعية· ويترتب على ذلك: إما أن يصبح رهين الخوف الدائم من انهيار الزواج ويتفانى في تقديم ما يمكن أن يقدمه لإغراء زوجته للبقاء معه، أو ينتابه العنف ويتصرف بعدوانية لإرهابها والسيطرة عليها·
ويؤكد الدكتور النفسي سعد الدين فيما يتعلق الشعور الجنسي بين الزوجين أن المرأة التي في مقتبل العمر عادة ما تكون عواطفها جياشة لها رغباتها وحاجياتها الجدية: والزوج الذي في أواخر عمره عادة ما تكون قواه ناضبة وحاجياته تقل وقدراته على الممارسة تختفي، ورغم ذلك تقوم الزوجة بواجباتها تجاه زوجها، ولكن دون عاطفة في أغلب الأحيان·
ويضيف: وبالنسبة للزوج، فانه لا يستطيع تلبية حاجياتها نتيجة كبر العمر وبالتالي تتعرض الزوجة للإحباط، ويتعرض الزوج للخوف· ولا نكون مبالغين عندما نقول ان الكثير من هذه الزيجات محفوفة بالمخاطر والمخاوف من الأغراب واللهث وراء الرغبات المكبوتة، وخاصة عند توفر البيئة المناسبة لذلك· لانقول إن الجميع أو الأكثرية يمارسون الخطأ، ولكن نؤكد أن البيئة عندما تكون مناسبة تدفع بالإنسان لارتكاب الخطأ ·
ويوضح: وحتى نتجنب تلك المشاكل، فإن الوقاية خير من قنطار علاج، وإذا كان الرجل المسن راغبا بالزوج بسبب مرض زوجته أو وفاتها أو عدم قدرتها على العناية به، يستطيع البحث والوصول إلى المرأة المناسبة له من حيث العمر والطباع والصفات·
ويشير الدكتور عامر إلى أن الأطفال هم الضحية الأكثر تأثرا بسلبيات هذا الزواج· ومن المعروف أنه لا ينصح الرجل بالإنجاب بعد سن الخمسين نظرا لإمكانية إصابة الطفل ببعض الاضطرابات والأمراض عند الولادة بشكل أكبر، مقارنة بالإنجاب في سن مبكرة· كما أن قدرات الرجل على التربية والتوجيه وبناء جيل قوي، تكون شبه معدومة نظرا لتحكيمه عاطفته في توجيهاته وتربيته أكثر من تحكم الطفل في ذلك، فينشأ لدينا جيل من الأطفال المدللين بل والمفسدين الذين يستطيعون الحصول على كل شيء وليس بقدرتهم الإنتاجية· ومن سماتهم أنهم عندما يواجهون الحياة العملية يصطدم الكثير منهم بالحقيقة المرة ويصابون بأمراض نفسية قد تؤدي لمصائب اجتماعية·
ويلفت الدكتور سعد الدين إلى أن انحراف الزوجات في هذه الحالات من الزواج وارد حيث تكون الزوجات مدفوعات بشعور الغضب والإحباط، مشيرا إلى أن أكثر الأمراض النفسية شيوعا لدى هؤلاء الأزواج بالدولة هو الاكتئاب النفسي للزوجين معا، مرافقا لأعراض جسدية وحالة قلق نفسي إضافة للشعور باليأس· وان مجرد التفكير بالخلاص يعني، إما الطلاق وخسارة كل شيء أو موت الزوج، وهذا بحد ذاته يولد الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©