القاهرة - حمدي أبوجليّل:
'سيدة السماء وملكة الارضين' أرفع الالقاب الرسمية لحتشبسوت أقدم ملكات مصر والعالم، أما القابها الشعبية والكهنوتية فما زالت تتوالى من الحفريات حتى اليوم، انها الملك والملكة وابنة الالهة· وقالت عن نفسها انها صاحبة 'التاجين' تاج الصعيد وتاج الدلتا، وانها تربعت على العرش بقوة وثبات بوصفها 'ملك' الارضين، واثناء مراسم تتويجها دعمها كبير الالهة بقوة روحية تليق بملك أو حتى طاغية جبار، فقد هيأ لها الخوف الذي تثيره في كافة الاراضي والذعر الذي تثيره في طول البلاد وعرضها، كما أخضع لسلطانها وسلطاتها كل ما يحيط بقرص الشمس كما تقول الاساطير الفرعونية·
ولدت حتشبسوت عام 1500 قبل الميلاد، وحكمت مصر حوالي عشرين عاما اجمع المؤرخون على انها كانت عامرة بالخير والرخاء، وفصول قصتها التي حيرت المؤرخين وعلماء المصريات نقبت عنها الروائية المصرية فوزية اسعد من خلال كتاب الفته بالفرنسية وترجمه ماهر جويجاتي الى العربية·
ود· فوزية اسعد درست وتدرس الفلسفة في مصر حيث ولدت وفي فرنسا حيث تعيش، وهي على مستوى الشكل تشبه حتشبسوت الى حد بعيد، نفس العينين، ونفس الوجه المنحوت ونفس الرغبة في اثبات جدارة المرأة بالملك والاعمال الجليلة·
المرأة الفرعون
د· فوزية اسعد بدأت رحلتها مع حتشبسوت في كتابها 'حتشبسوت المرأة الفرعون' بما سمته 'فضيحة حتشبسوت' وقالت ان قيام امرأة مثل حتشبسوت بدور فرعون مصر اثار الاستنكار من معاصريها ولاحقيها، حتى ان البعض اعتبر ذلك فضيحة نكراء، ولجأ الجميع الى طمس ذكراها من حافظة التاريخ، ولم يرد اسمها في كبرى القوائم الملكية الفرعونية التي وصلت الينا، وابرزها قائمة حجرة الاجداد التي نقشت في الكرنك وقائمة 'سيتي الاول' في ابيدوس، واختفت حتشبسوت من كل مكان لسبب وحيد هو انها امرأة في وسط فراعين من الرجال·
وحتشبسوت -كما اضافت- من اسرة ملكية أو فرعونية من الجانبين، فوالدها هو الفرعون 'تحتمس الاول' ووالدتها هي الملكة 'أحميس' ابنة الفرعون أحمس طارد الهكسوس من مصر وصاحب الفتوحات العظيمة، وفي طفولتها أعدت لخلافة ابيها على العرش فقد كانت الاحق نظرا لانها الابنة الشرعية لتحتمس الاول الذي لم ينجب ذكورا من زوجته الشرعية 'أحميس' ام حتشبسوت، وكان الدستور الفرعوني يشترط في الفرعون أن يكون ابنا للزوجة الشرعية لوالده، ولكن الكهنة ووالدها الفرعون نفسه تحايلوا حتى حرموها من العرش في تلك الفترة، فقد زوجوها لاخيها 'تحتمس الثاني' ابن الاول غير الشرعي من احدى محظياته، حتى يعطوه شرعية خلافة والده·
أقوى وأذكى
وحتشبسوت -كما اضافت المؤلفة- كانت اقوى واكثر ذكاء من زوجها وأخيها الفرعون تحتمس الثاني، فضلا عن انه كان يعاني طوال حياته من مرض جلدي خطير، لذلك كانت حتشبسوت تحكم البلاد تحت اسمه، وبعد ان مات وهو في ريعان الشباب كانت تتوقع ان تعتلي العرش بعده، ولكن الكهنة مرة اخرى فرضوا عليها تحتمس الثالث وكان ايضا من زوجة غير شرعية لزوجها، ونظرا لحداثة سنة جعلوها وصية عليه، وظلت وصية على الفرعون الطفل لمدة ثلاث سنوات حتى تمكنت من ازاحته عن العرش واعترف الجميع بمن فيهم الكهنة بملكها لمدة قيل انها تجاوزت العشرين عاما، وبعدها استطاع تحتمس الثالث ابعادها في ظروف غامضة واعتلى عرش مصر·
نُصبت حتشبسوت في احتفال فرعوني كبير خر فيه الكهنة تحت قدميها باعتبارها ابنة الالهة كما هي عادة الفراعنة، ولكن نظرا لخشيتها من عدم اقناع الشعب بها بسبب كونها امرأة استعملت في الاشارة الى نفسها ضمائر التأنيث والتذكير بالتبادل، فقد كانت تلقب نفسها في مكاتباتها الرسمية بلقب مزدوج هو 'الملك الملكة' كما انها زينت وجهها في التماثيل والرسوم بلحية مستعارة، وامسكت باسلحة لم تسع الى استعمالها اثناء حكمها، فقد اجمع المؤرخون على انها لم تخض طوال فترة حكمها حربا واحدة عكس معظم الفراعنة، والسفرة الوحيدة التي خرجت فيها من مصر كانت من أجل احضار العطور والبخور من بلاد بونت 'الصومال' حاليا، كما انها خضوعا لعادات الفراعنة الذكور تباهت في نقوش تماثيلها ومعبدها بجملة هزمت فيها الهكسوس رغم ان الذي اخرجهم من مصر هو جدها أحمس قبل مولدها بعشرات السنين، غير ان حتشبسوت اثبتت طوال حكمها وبدون اللحية المستعارة انها فرعون عظيم وصنعت لمصر مجدا ورخاء اساء استثماره الكثيرون ممن خلفوها من الفراعين الرجال·
بنّاءة كبيرة
وحتشبسوت كانت من اكبر البنائين في مصر القديمة، كما ان منشآتها واكبرها الدير البحري بالاقصر تميزت بالجمال والدقة، وطوال حكمها انجزت على خير وجه المهام التي حددتها الالهة للفراعنة كما ورد في الاساطير وهي العمل على خلق الوظائف وادخال الكهنة لاداء الشعائر وجعل القوانين فعالة ووضع القواعد واللوائح وتوسيع موائد القرابين والاكثار من الانصبة وزيادة ما كان موجودا قبلها من المنشآت والمشاريع والتوسع في جمع خيرات الشاطئين، واقامة المباني دون الاقتصاد في الحجر الرملي والجرانيت الاسود، وجددت تماثيلها بالحجر الابيض والجيري· بغرض التفوق على الملوك الاقدمين وتجميل المستقبل للملوك القادمين·
وحتشبسوت، حكمت مصر فترة احتار فيها المؤرخون، ومنهم من قال انها خمسة عشر عاما، ومنهم من قال انها واحد وعشرون عاما، وطوال حكمها اعتمدت على وزيرها ومستشارها المهندس المعماري 'سنت موت' الذي كان من كبار الموظفين في البلاط الفرعوني قبلها، ومن أجل المهام التي أوكلتها له بعد ادارة امور البلاد الاشراف على تربية ابنتها 'نفرو رع' التي كانت تعدها لوراثة عرش مصر بعدها قبل ان يتمكن تحتمس الثالث ابن زوجها واخيها تحتمس الثاني من اغتصاب العرش منها·
كان المعماري 'سنت موت' الذراع اليمنى لحتشبسوت والمتهم باقامة علاقة غير شرعية معها ينحدر من بيئة متواضعة، ولم يعرف المؤرخون عن والده سوى انه كان من محاسيب الملك 'أحمس' جد حتشبسوت من ناحية الأم، وقال البعض انه كان فلاحا رقيق الحال، وقال آخرون انه كان جنديا بسيطا ولد في ارمنت التي لا تبعد كثيرا عن طيبة أو الاقصر، اما والدة 'سنت موت' فكانت لها بعض الاملاك، وكانت تحافظ على نوع من الاستقلالية عن اسرتها، وقيل انها كانت تعيش بمفردها، واكتشف المنقبون الاميركيون مقبرتها في عام 1936 وهي شديدة البساطة، كما ان مومياء والد سنت الفلاح أو الجندي البسيط كشفت عن رجل قصير القامة·
وعلى بساطة وتواضع أصوله يعتبر 'سنت موت' حالة فريدة في تاريخ مصر القديمة، فقد كان له نفود يكاد يصل الى نفوذ الفراعنة في عهد حتشبسوت وكان يلقب بأنه 'الامير النبيل، والعم الوحيد' الذي عندما يتكلم تصمت كل الافواه، ورئيس البلاط الملكي والوحيد في تفرده والرقيق المحبوب والمشرف العام على ابنة الالهة، كما ان اشرافه على تنشئة ابنة حتشبسوت كان من المهام الجليلة التي لا يقوم بها سوى احد المقربين جدا من الفرعون، خصوصا ان الجميع كان يعرف ان ابنه حتشبسوت هي الفرعون المنتظر·و'سنت موت' كمعماري وبناء لم يكن يعلن اسمه في ركن منزو على اعماله سواء المنشآت أو التماثيل كعادة البنائين الفراعنة، ولكنه كان يذكره في اماكن متميزة توحي بأنه صاحب نفوذ واسع في البلاط الفرعوني· وكل تلك امتيازات منحت لسنت موت أرجعها العديد من المؤرخين الى انه كان على علاقة حب مع حتشبسوت، ودللوا على ذلك بأنه اكن اقرب اليها من اخيها وزوجها تحتمس الثاني، وكان هناك ممر سفلي يربط بين الحجرة التي دفن فيها والحجرة التي دفنت فيها حتشبسوت·