دمشق - 'الاتحاد' - خاص:
المعلقون الغربيون يتحدثون عن أوقات عاصفة على ضفاف بردى، الأميركيون يزدادون تشدداً، لن يدفعوا دباباتهم باتجاه قرية 'صلاح الدين'، كي لا تحدث تلك الـ'جهنم الأخرى'، ولكن لديهم وسائل الضغط اللازمة التي يعتبرون انها كافية لتقويض النظام من الداخل·
ما الضمانة على ان البديل سيكون مواليا لواشنطن، وإن اعتقدت هذه ان 'أسامة بن لادن' لن يصل الى دمشق أبداً؟
يقال ان المأزق الاميركي الراهن أشد هولاً من المأزق السوري، ثمة مبالغة بطبيعة الحال، ولا مجال للمقارنة بين الحالة الأميركية والحالة السورية في الوقت الحالي مع تردد الكثير حول الزلزال الأكبر في تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق 'رفيق الحريري'·
الفرنسيون يطلبون من السوريين الإسراع في صعود القطار، الاميركيون يمنعونهم، فيما تتراءى مشاهد من حلّ مركّب لمرتفعات الجولان، وهنا تقرير مفصل حول الموضوع·
يسأل مسؤول عربي دبلوماسيا اميركيا: 'كم يحتاج أسامة بن لادن من الوقت لكي يصل الى دمشق؟' الجواب: 'لن يصل ابداً'·
حدث هذا فعلاً حين كان المسؤول يحذّر من أي محاولة لزعزعة النظام الحالي في سوريا، باعتبار ان البديل التلقائي هو النظام الاصولي الذي يعني ان المنطقة ستنقلب رأساً على عقب، ربما وصولا الى تركيا ايضا·
في رأي الدبلوماسي الاميركي ان الجيولوجيا المذهبية والإثنية في سوريا مختلفة كليا عن تلك القائمة في العراق، ناهيك عن ان سوريا بعيدة عن ايران، اي انها بعيدة عن التجاذبات الاقليمية التي تحكمها معطيات استراتيجية، وحتى تاريخية، بالغة الحساسية، وإن كان المسؤول العربي ينظر الى اسرائيل التي أسف رئيس الأركان السابق 'رفاييل ايتان' كيف استبقيت هكذا بعد حرب العام ،1967 ولم يتم تقسيمها الى دويلات على غرار ما حدث ابان الانتداب الفرنسي·
كيف بقي مكانه؟
بدا الاميركيون وكأنهم بدأوا يتخلون عن موقفهم الرامي الى اضعاف الوضع الحالي في سوريا لا الى ازالته، وهم الذين سبق ورفضوا ذلك التحليل الكلاسيكي الذي يقول بالعلاقة الجدلية أو بالمسافة الجدلية بين بغداد ودمشق، فحين يحدث أي شيء في عاصمة العباسيين لابد ان يحدث شيء آخر في عاصمة الأمويين أو العكس بالعكس·
الذي حدث في يوليو 2003 هو سقوط النظام في العراق، الغزو أمر آخر لا يتوقف عنده الاميركيون رغم الكلفة الباهظة التي يتكبدونها، يسأل 'وليم سافاير'، المعروف باتجاهاته الليكودية على صفحات الجرائد الاميركية الكبرى: كيف بقي 'بشار الأسد' مكانه؟
لا بل انه يحرّض ضد أولئك الذين يقفون وراء اتجاهات العنف، والرفض المجاني في المنطقة، بالنسبة الى المعلق الشهير فإن دمشق قاب قوسين أو أدنى من تطورات مهمة، فالتحديث السياسي والاقتصادي تعثّر، والتدخل في الأزمات المجاورة ما يزال على حاله، وإن كان اكثر من معلق اميركي يقول ان وكالة الاستخبارات المركزية اعترفت بأن معظم قيادات المعارضة في الخارج تصلح لادارة 'صالونات حلاقة' اكثر من قدرتها على ادارة دولة على ذلك المستوى من التعقيد بسبب التداعيات السياسية والسيكولوجية لما يحدث في المنطقة·
ممنوعون من الصعود
والواقع ان اكثر من عاصمة عربية لاحظت تبدلا دراماتيكيا في النظرة الاميركية الى سوريا، الرئيس 'جاك شيراك' لا يريد لـ'اعصار كوندوليزا' ان يصل الى دمشق، نصح بإلحاح ان يصعد السوريون الى القطار قبل ان يكتشفوا أنهم اصبحوا في العراء الجيوبوليتيكي التام، لكن السوريين يقولون انهم، على ما يبدو، ممنوعون من الصعود الى القطار، هذا قرار أميركي متعدد الجوانب، فالمطلوب من سوريا كثير، وكثير جداً، وقد لا يتحمله النظام الذي يقال انه عمل مع واشنطن كثيراً، وفي امور شتى، كان هذا يحدث تحت السطح، الآن، تريد ادارة 'جورج دبليو بوش' من الرئيس 'بشار الأسد' ان يتعاون فوق السطح، إذاً، قاعدة بحرية اميركية في اللاذقية أم في طرطوس؟ ثمة تقرير للبنتاجون يشير الى شيء من هذا، خصوصا بعد مواقف حكومة 'رجب طيب اردوغان' عشية الحرب ضد الرئيس 'صدام حسين' وإن كان واضحا ان هذا الأخير بات يدرك ماذا يعني الابتعاد عن الولايات المتحدة في هذه اللحظة الحرجة الأميركية، هكذا كانت المفاجأة المبرمجة بدقة: ان يعقد وزيرا خارجية باكستان 'خورشيد قصوري' واسرائيل 'سيلفان شالوم' لقاءهما الاستعراضي الأول في مدينة اسطنبول·
لهذا دلالته الكبيرة بطبيعة الحال، وإن كانت احدى الصحف التركية قد اشارت الى ان من الحيثيات الرئيسية للمكان الملف النووي الايراني الذي لا بد ان تكون له تداعياته الاستراتيجية الخطيرة على المعادلات الراهنة في المنطقة، خصوصا مع تكامل السلطة الثلاثية الأبعاد: السلطة الدينية، والسلطة السياسية والسلطة العسكرية، على رأس كل من هذه السلطات ثمة شخصية متشددة ولها مفهومها للعلاقات الدولية والاقليمية، حتى وان ركز الرئيس الجديد 'أحمدي نجاد' على علاقات وثيقة مع الجوار العربي·
قد يكون للقاء اسطنبول، وفي اسطنبول، خلفياته الأخرى التي ما تزال تمسك بالمحاور الأساسية في المنطقة، ودون أن يؤثر ذلك على التعثر الدموي الهائل الذي تواجهه في العراق الذي يتحوّل أكثر فأكثر الى بركان يقذف الحمم في كل الاتجاهات، ان بسبب موقعه الجيو - ستراتيجي البالغ الحساسية (يتاخم 4 دول عربية اضافة الى تركيا وايران)، أو بسبب تركيبته الفسيفسائية المعقدة بكل تكويناتها وترسباتها التاريخية، أو بسبب تكوينه السوسيولوجي وحتى السيكولوجي، دولة تعرف كيف تنفجر، وكيف تقاتل الشظايا على طريقة الأسطورة التركية التي تتحدث عن ذئبين راحا يأكلان بعضهما البعض حتى اختفيا·
حرب المئة عام
إن أكثر من جهة عربية تتخوف من حرب المئة عام في العراق، مَن يتولى ادارة ذلك الحطب البشري شديد الالتهاب؟ لا، لا نضع جانبا العامل النفطي شديد الأهمية، المشكلة ان النيران لا يمكن ان تبقى على ضفاف دجلة الذي تحوّل، بدوره، الى مقبرة، ولهذا يُعاد تشكيل المعادلات، يقول الأميركيون ان السوريين لعبوا في الملف العراقي، تماما مثل ما فعلوا في الملف الفلسطيني الذي خرجوا أو أخرجوا منه، وفي الملف اللبناني الذي خرجوا او اخرجوا منه، وها هم يدفعون ثمن التعاطي التكتيكي مع الحالة العراقية، خلايا تابعة لـ'ابي مصعب الزرقاوي' بدأت تنتشر في الأرجاء السورية، وإن قيل ان ما يعلن عن اشتباكات تجري هنا وهناك انما هو للايحاء للاميركيين الذين اوصدوا كل أبوابهم في وجه دمشق بأن البديل عن النظام القائم هو 'أسامة بن لادن'· في واشنطن لا يؤخذ كثيرا بهذا الكلام رغم تحذيرات أكثر من عاصمة عربية تعتبر ان النموذج العراقي يمكن ان يتكرر في سوريا، مع وجود الفوارق الكبيرة، الأتراك ينصحون دمشق، لكن وساطتهم باءت بالفشل، الفرنسيون فعلوا ذلك، ليسأل احدهم ماذا في الرأس الأميركي؟ خروج أو اخراج السوريين من سوريا!!
فات الأوان؟ ربما، فالثابت ان ما ظهر من تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق 'رفيق الحريري' القاضي 'ديتليف ميليس' ليس سوى الجزء الأعلى من جبل النار، الاغتيال ليس قرارا امنيا، وليس قرارا سياسيا، بل انه قرار استراتيجي، هذا ما قاله السفير الاميركي في بيروت 'جيفري فيلتمان' لوزراء ونواب، ماذا يعني ذلك؟
انه يعني ان القاضي الالماني الذي يتقن تسلّق الجبال، حتى ولو كانت من نار، سيبحث في دمشق عن الجهة التي اتخذت القرار، هذه مسألة حساسة جدا، وتتابعها واشنطن بدقة لافتة، الرئيس 'بوش' استثنى الرئيسين السوري 'بشار الأسد' واللبناني 'اميل لحود' من حفل الاستقبال البروتوكولي، ووزيرة الخارجية 'كوندوليزا رايز' استبعدت الجانب السوري من الاجتماع الذي ستعقده مع قادة الشرق الأوسط واوروبا في نيويورك، هذا فيما تم الاتصال مع موسكو من اجل حثها على عدم معارضة قرار بفرض عقوبات معينة على دمشق، وإن كان يحكى عن صيغة تبقي كل الاحتمالات الأخرى مفتوحة·
توركماني: استعدوا··
على كل، الرئيس 'الأسد' ألغى زيارته للأمم المتحدة، هذا مؤشر يبعث على الخوف، ماذا بعد على صعيد العلاقات الأميركية - السورية؟
ثمة كلام مهم صدر عن وزير الدفاع السوري 'حسن توركماني' اذ دعا القوات المسلحة لتكون على 'أهبة الاستعداد لصد أي عدوان غادر' ليضيف ان بلاده 'تعمل في سبيل مصلحتها الوطنية والقومية، وتدرك ما يحاك من مؤامرات ودسائس هدفها العبث بأمن المنطقة'·
'توركماني' ضابط محترف، جدي جدا وعملاني ومنذ ان تسلم منصبه قام بعدة خطوات مهمة لتفعيل الجيش السوري نوعيا رغم مشكلة الحصول على أسلحة متطورة، وهو من النوع الذي لا يطلق الكلام على عواهنه، انه يستشعر الخطر فعلا، هل يعني كلامه انه يتوقع اختراقا عسكريا للحدود في اتجاه دمشق، ام ان المقصود من الكلام عن 'المؤامرات' هو ان ثمة مَن يعمل لتقويض النظام من الداخل، وفي هذه الحال سيكون دور القوات المسلحة اساسيا جدا في حماية النظام؟
لا مؤشر على ان ادارة الرئيس 'بوش' تعمل من اجل اختراق عسكري للأراضي السورية، هذه عملية انتحارية، بكل معنى الكلمة، إذ بغض النظر عن طبيعة النظام وعن 'علاقته مع الجماهير' المتعبة دون ريب، فإن سوريا من ذلك الطراز المعروف تاريخيا، لا أحد يستطيع ان يدخل الى عاصمة الأمويين إلا اذا حوّلها الى ركام·
المؤكد ان هناك في واشنطن مَن ضغط لدفع الدبابات الى دمشق، واذ ذاك تكتمل الحلقة (الاستراتيجية)، لكن باريس نصحت، بلهجة عالية جدا، فإذا كان التصدع الداخلي في العراق يخدم الوجود الأميركي بصورة أو بأخرى رغم الخسائر اليومية الفادحة، لا يمكن البتة العثور في سوريا على مَن هو جاهز ليكون عضوا في حكومة مركّبة، قد يكون الكثيرون ضد النظام ويتمنون رحيله، ولكنهم لا يمكن ان يكونوا مع الوجود الأميركي فوق أرضهم، وإن كانت ايام اليأس، على المستوى العربي العام، قد طالت وطالت، لتتآكل كل الأحلام القديمة·
إذا سقط النظام!
الذي يحدث هو ضغوط أميركية متلاحقة ومكثفة من أجل ان يتفكك النظام من الداخل، ولكن مَن باستطاعته القول انه اذا ما هوى هذا النظام سيكون البديل نظاما يدين بالولاء للولايات المتحدة التي تقف، فعلاً، مرتبكة أمام الحالة السورية، إذاً، الحل المثالي إبقاء النظام عالقاً، ولكن بانتظار ماذا؟
هناك أوراق كثيرة في يد الاميركيين الذين أصبحوا على التخوم السورية، ولا مجال للحديث عن أي تكافؤ بين واشنطن ودمشق التي فقدت كل أوراقها، حتى ان 'حزب الله' الذي قال وزير الخارجية السوري 'فاروق الشرع' انه يمثل احتياطيا استراتيجيا لبلاده (مع ان السفير في واشنطن 'عماد مصطفى' تمنى على الإدارة مساعدة الحزب على دمج جناحه العسكري في الجيش اللبناني)، يبدو الآن وكأنه عبء على سوريا، اذ ان موقعا اميركيا على شبكة الانترنت اشار الى ان السفير الاسرائيلي في واشنطن التقى طويلا مستشار الأمن القومي الاميركي 'ستيفن هادلي' القليل الظهور في الضوء كما يبدو، ليقول له ان هذا هو الوقت المثالي لحمل الحكومة السورية على المساعدة على تفكيك 'حزب الله'·
الأزمة·· والذئب الألماني
المعلقون الغربيون بمجملهم يتحدثون عن 'الأوقات العاصفة على ضفاف بردى'، يسألون، وفي هجوم شامل على سوريا، عن اللحظة المقبلة، ما هي طبيعتها، وكيف ستحصل، ولكن بالإمكان دوماً العثور على شخص ما يفكر برأس بارد، يقول 'آلان غريش' ان المأزق الاميركي أشد هولاً من المأزق السوري، لا بل انه يصل الى ذلك الاستنتاج المثير: قوة النظام السوري انه دائماً مأزق·
قد يكون هذا صحيحا الى حد ما، لكن الثابت، وبعد تدافع الخطوات الضاغطة: قانون محاسبة سوريا، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 و،1595 ان طبيعة المأزق تغيّرت كثيرا، يلاحظ 'غريش' ان المأزق هو الذي يقتات من النظام وليس العكس كما كان يحدث سابقاً، هذا لا يمنعه من التساؤل ما اذا كانت ادارة الرئيس 'جورج دبليو بوش' تبحث عن 'جهنم اخرى'؟
يقال ان الذئب الالماني الذي لا يشق له غبار سيصل الى مفاصل حساسة في النظام، ثمة زلزال يظهر في الأفق، في لبنان، الانتخابات النيابية تمكنت من استيعاب الحالة، وانتجت، الى حد كبير، سلطة بديلة، كيف يستطيع السوريون التعاطي مع الزلزال؟
سؤال يطرحه حتى السوري العادي الذي يخشى من الاحتمالات، يخشى كثيراً، ليس هو وحده الذي يساوره هذا الشعور، المنطقة هشة جداً، وردات الفعل العصبية واردة في أكثر من اتجاه، عبارة واحدة، مقتضبة جداً ومعبّرة جداً، هي التي تملأ هذه القاعة العربية: 'الله يستر···'·
ولكن ثمة مَن يشير الى القمة العربية الاستثنائية المرتقبة في اكتوبر المقبل، هل يحدث شيء ما هناك يجعل تداعيات الزلزال تحدث في نطاق المعقول، لغاية الآن·· اللامعقول!!
الآن، قمة نيويورك، الرئيس السوري لم يذهب، فيما تتسلط الأضواء على رئيس 'تيار المستقبل' في لبنان 'سعد الحريري' الذي تقول بيروت انه سيلتقي الرئيس 'جورج دبليو بوش' أو على الأقل وزيرة خارجيته 'كوندوليزا رايس' اضافة الى قادة دوليين آخرين، المواجهة انتقلت الى نيويورك·