أحمد السعداوي (أبوظبي)
عبر استضافة أكثر من 200 جنسية، تمثل أكثر من 150 قومية تتكلم بـ 100 لهجة، يعيشون في تناغم فريد، أثبتت الإمارات أنها ملتقى عالمي للتسامح والتفاهم وقبول الآخر بين الجاليات المختلفة، وبوابة لتحقيق الأحلام والطموحات للكثيرين منهم، وهو ما أكده عدد من أبناء الجالية الروسية خلال حديثهم عن تجربتهم في العيش والحياة داخل الإماراتي في ظل أجواء التسامح الاستثنائية، التي كفلت لهم ممارسة كافة طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم على بساط من الضيافة والكرم العربي الذي اشتهر به المجتمع الإماراتي عبر الزمن.
تراث ثقافي
تقول كريستينا بوبينيا، التي تعمل في دولة الإمارات منذ عدة سنوات في مجال المبيعات بإحدى الشركات، إن هناك عادات وتقاليد تميز المجتمع الروسي، ونفخر دوماً بممارستها في كل مكان، خلال وجودنا على أرض الإمارات، خاصةً أن لدى روسيا تاريخاً عظيماً وتراثاً ثقافياً زاخراً ونحن الروس فخورون بذلك.
وأضافت: من أبرز المناسبات التي نحتفي بها عبر كل روسيا «يوم النصر» في الحرب العالمية الثانية أو «يوم روسيا»، إلى جانب «يوم الرجال» و«يوم النساء»، والاحتفالات بالعام الجديد، وكون روسيا بلداً ضخماً يتألف من قوميات متنوعة، فإن مثل تلك الاحتفالات تتجلى فيها مظاهر وحدتنا، رغم اختلاف ثقافات هذه القوميات فيما بينها تبعاً لأماكن توزعها في المساحة الشاسعة لدولة روسيا، فبعض الناس الأخرى يحتفلون كل صيف بنهاية فترة زراعة البذور الربيعية من خلال مهرجان «سابانتوي»، وفي هذا المهرجان، تمضي الأسر بعض الوقت مع الأصدقاء خارج البيت بين أحضان الطبيعة، حيث يشاهدون أو يشاركون في المسابقات التي قد تبدو غريبة، لكنها ممتعة ومرحة، ومن ذلك مثلاً «سباق الأكياس»، و«معركة الأكياس»، وسباق «البيضة في الملعقة»، والبحث بفمك عن قطعة نقدية في إناء مملوء بـ «الكاتيك» «مشروب حليبي يشبه اللبن»، وتحطيم قدر طيني بوساطة عصا وأنت معصوب العينين، وتسلق العمود، وألعاب أخرى كثيرة، بالإضافة إلى أنشطة المصارعة التقليدية «كوراش»، وسباق الأحصنة، ويُنظم هذا المهرجان طيلة شهر يونيو في عدد من المدن، وسيكون من الرائع رؤية هذا المهرجان ينظم في الإمارات.
تقاليد متنوعة
أزياء المجتمع الروسي، ولا سيما في المهرجانات، يحدثنا عنها بيتر أولان، وهو صاحب عمل خاص، بقوله إن التقاليد المحلية في روسيا متنوعة، وتمثّل مجموعات كبيرة من الناس التي تعيش في أنحاء روسيا، ولسوء الحظ لا يمكنك مشاهدة التنوع الغني للأزياء التقليدية لسكان روسيا في الحياة اليومية على الطرقات وخلال ممارسة الأعمال اليومية، على الرغم من أن توجه ارتداء الملابس التقليدية بدأ يكسب زخماً في روسيا، حيث يمكن مشاهدة مثل هذا «الفلكلور» الثري في الحفلات، التي تضم أفراداً من الأقاليم الروسية في إطار من التسامح مثلما يحدث في دولة الإمارات.
أولينا مالكوفا، التي تعمل في مجال عروض الأزياء، أوضحت أن الإمارات، وما توصلت إليه من إنجازات كبيرة مثال للدول الناجحة، التي أعطت الكثير للعالم عبر مظاهر العمران التي تزين أرجاء الدولة كافة، بفضل أجواء التسامح التي يعيشها الجميع في الإمارات، ومنهم أبناء الجالية الروسية الذين يشعرون بالسعادة خلال وجودهم على أرض الإمارات، ويشاركون في فعاليات ومناسبات عديدة تقام في الدولة، مثل المشاركة المميزة لروسيا ضمن فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي لعدة أعوام متتالية، تقديراً منا لما يقوم به أهل الإمارات من جهود كبيرة للحفاظ على الموروث الشعبي المحلي والعالمي.
جولي فرانكو، عازفة على آلة الهارب، تقول: إنها تدين بالكثير من الفضل لدولة الإمارات، حيث تعلمت العزف الموسيقي من خلالها عملها بأحد الفنادق الإماراتية، من خلال صديقة روسية لها، خاصةً أن لديها شغف بعالم الموسيقى منذ طفولتها غير أن الفرصة لم تتح لها لتعلم الموسيقى خاصة العزف على آلة الهارب سوى خلال إقامتها في الإمارات، حيث تعتبر فن الموسيقى بحد ذاته أقوى رسائل التسامح، لأن الفن لغة عالمية يدركها الجميع ويعيش جمالياتها من دون أي فوارق فكرية أو ثقافية.
وتلفت إلى أن أكثر ما لفت نظرها في المجتمع الإماراتي من سمات التسامح، هو التواضع والمحبة التي يتعامل بها الإماراتيون مع المقيمين، وهذا السلوك انعكس بدوره على الجميع، حيث يتعاملون دوماً مع بعضهم البعض بحب وتعاون إيجابي، وهو ما نشعر به نحن أبناء الجالية الروسية، خلال كافة تعاملاتنا اليومية خلال وجودنا للعمل والتعلم على أرض المحبة والتسامح، أرض الإمارات، التي علمتنا الإخلاص والثقة وكيفية التعامل مع الغير واحترامه وتقديره رغم اختلاف الثقافات والأفكار.
«فطيرة باليش» تجمع الأهل على موائد الإفطار
«فطيرة باليش» من أكثر الأكلات انتشاراً في روسيا ولا تكاد تخلو مائدة منها طوال شهر رمضان، كونها ارتبطت بشكل كبير بالموائد الرمضانية التي يتجمع حولها المسلمون سواء من أبناء الأسرة الواحدة أو بين الأصدقاء والمعارف الذين يتجمعون لتناول طعام الإفطار سوياً في زيارات متبادلة، مثل تلك التي تحدث في أنحاء العالم خلال هذا الشهر الكريم، وفطيرة ياليش تتكون من الدقيق مع البطاطس واللحم، وهي متكاملة العناصر الغذائية، ويتم تقديمها على طبق واحد كبير بدون توزيعها في أطباق متفرقة على المائدة، مثل ما هو متبع مع باقي الأطعمة المقدمة على المائدة، والهدف من هذا التقليد الجميل أن يتشارك الجميع مذاقها الشهي والطقوس الروحانية التي ارتبطت بتناولها في أجواء استثنائية خلال الأيام المباركة للشهر الفضيل.
دانيا جينسي: عروض عالمية وفعاليات ثقافية
دانيا جينسي، شاعرة وكاتبة روسية مقيمة في دبي، أكدت أن الإمارات بلد فريد من نوعه يتيح لك فرصة الاتصال بالعالم والاحتكاك به، كما يتيح لك فرصاً عديدة لحضور أي فعالية أو الالتقاء بأي شخص يمكنك أن تتخيله.
وتقول: «أغرمت بفكرة مهرجان الإمارات للآداب»، وما يبعث على السرور، هذه المعاملة الراقية والحضور الجماهيري الواسع خاصة لمن يعشقون القراءة، وهذا مختلف عن المقاربة التي نجدها في بعض البلدان الأخرى تجاه الفعاليات الأدبية، وبوصفنا مجموعة من السيدات الروسيات اللاتي يحببن الآداب، أنشأنا نادياً خاصاً للقراءة في دبي، حيث نستمتع بتقاسم الانطباعات والآراء حول أحدث الروايات، في ظل وجود بضعة نواد مماثلة أخرى للقراء الروس في دبي والشارقة.. ومن الأشياء الجميلة التي لفتت نظري وأعجبتني في الإمارات، الاعتزاز بالزي الوطني، وهو أحد الدروس التي يمكن أن نقدرها للإمارات، بالاعتزاز بالأصول والجذور التي ينتمي إليها أبناء الإمارات.
وأضافت: التنوع بين العروض العالمية الراقية والفعاليات الثقافية وأنواع الطعام والسفر للعديد من البلدان أو لتعلم كيفية كتابة اللغة الإيطالية والدراسة في جامعة أكسفورد مميز في الإمارات أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، وهذا ما لمسته خلال الـ 6 سنوات الماضية، فهنا التقيت بزوجي خلال رحلة من الإمارات إلى روسيا، ولذلك أنا ممتنة للغاية لهذا البلد مثلي مثل كافة أفراد الشعب الروسي الذين يعيشون هنا.

وبالحديث عن القومية التترية أوضحت جينسي وجود العديد منهم في الإمارات، حيث يلتقون من وقت إلى آخر يتشاركون الأغاني والأهازيج والقصص، كما يوجد أيضاً مطعم للتتر في الشارقة باسم «كازان» يستضيف عادة مجموعات من التتر على سبيل المثال في شهر رمضان، حيث يتناولون في بعض المرات الإفطار هناك. مشيرة إلى أنها جلبت معي زوجاً من أحذية التتر وهي جزء من دولة روسيا الكبرى، ويطلق على هذه الأحذية «الشجي» المصنوعة يدوياً من قطع الجلد بألوان وأشكال مختلفة.
سنة أولى صيام
عن الأنشطة الرئيسية التي تمارسها الجالية الروسية وتعكس التسامح مع الآخرين، قالت: «من جانبي يكتسب رمضان أهمية خاصة في الإمارات حيث أدركت أن بعض الروس الذين يعيشون هنا معجبون بهذا الشهر، سواء للأجواء الروحانية أو أجواء البهجة والزينة التي تنتشر في كل مكان، ما يجعلك جزءاً من قصة خيالية شرق أوسطية»، وفي الآونة الأخيرة استضاف أحد فنادق الإمارات مهرجان «ماسيلنيستا» الذي يقوم فيه الروس التقليديون بتناول الكعك الروسي الشهير المحشو بنكهات مختلفة للاحتفاء ببدء فصل الربيع، وهو التقليد الذي تربينا عليه في روسيا.. حيث تقام أحياناً بعض العروض الموسيقية والمهرجانات التي تمثل ثقافة وموسيقى البوب الروسية والقديمة بجانب المهرجان السنوي الروسي للأزياء وطعام ماتريشكا، الذي يصنع بمهارة في بعض مطاعم الإمارات.
مناسبات
وفيما يخص العادات الروسية التي في الإمارات، وكيفية الالتقاء للاحتفال بالمناسبات والأعياد، أشارت إلى واحد من الاحتفالات الرئيسية التي تمارس في الإمارات بصفة سنوية وهي يوم النصر، الذي يوافق 9 مايو من كل عام، وهو اليوم الذي يكتسب أهمية خاصة لكافة الروس، وقال: نكن فيه الاحترام والشكر لمن هم أكبر منّا سناً نظراً لما قدموه من تضحيات وحماية الوطن إبان الحرب العالمية الثانية.