تحقيق ـ هناء الحمادي:
لا بد أن كلاً منا قد انتابه في فترة ما من حياته احد الشعورين: إما انه كان مميزا ومفضلا لدى والديه على باقي أخوته، أو أنه كان مهضوم الحق، لم يلق الحب والاهتمام الكافيين·
وسواء أعلناها بصوت عال أم حبسناها في أعماقنا، فكثيرا ما قلنا متأسفين على حالنا: كان أبي يحب أخي أكثر مني أو 'أمي كانت تفضل أختي الصغرى علّي لأنها أجمل، و أشطر في المدرسة·
لا تنتهى الأمور عند هذا الاعتراف، ففي كثير من الأحيان تنشأ بين الأخوة غيرة حاقدة بسبب التنافس على حب واهتمام الوالدين، وما أكثر القصص والحالات التي شكلت فيها الغيرة علاقة الأخوة وصاغتها بالكراهية والعداء الصريح، أو الخفي·
ولعل أوضح رمز لخطورة تأثير الغيرة بين الاخوة يتجلى في قصة هابيل وقابيل، حين قتل قابيل أخاه هابيل غيرة وحسدا·
وبعد مرور آلاف السنين، هل تخلصنا من عقدة قابيل؟ وهل أصبح الآباء أكثر عدلا في مشاعرهم وتعاملهم مع الأبناء؟
ليس مستغربا في بعض الأحيان أن يهتم الأبوان بأحد الأبناء لاعتبارات عدة منها، على سبيل المثال: التفوق الدراسي، رجاحة العقل، خفة الظل، حنان الابن على والديه، وهذا الاهتمام 'المنحاز' إذا جاز التعبير، يولد شعورا بالغيرة من قبل الابن الآخر، الذي قد يظن أن والديه يحبان أخاه أكثر منه، وهذا بدوره قد يؤدى إلى تطور ذلك الشعور إلى الغيرة ليصل الأمر إلى درجة الكراهية بين الاخوة أحياناً·
ومن هنا نطرح التساؤل الاتى: هل يمكن للأهل تطبيق مبدأ العدل في مشاعرهم نحو الأبناء، وهل الغيرة بين الأبناء شعور طبيعي لا ضرر منه، أم إنها حالة شاذة تتطلب التهذيب والتحكم فيها؟ ومن المتسبب فيها؟ ولماذا تتحول في بعض الأحيان إلى حقد وكراهية وحسد؟
أغار من أخي
يتحدث حميد خالد الابن الثاني من بين أخوته بصراحة بالغة فيقول: 'اعترف اننى أحيانا أشعر بالغيرة من أخي الأكبر بسبب الاهتمام الزائد الذي يلقاه من قبل الأهل، بل ثمة حاجز كبير يفصل بيني وبينه، يمنعني من الوصول إليه، وتزداد الغيرة اتقادا كلما رأيت والدي يلبى رغبات أخي، ويخطر في بالى سؤال ملح: لماذا لا أعامل أنا بالمثل؟ ألست فردا في تلك العائلة أيضا؟'·
ويدلي سلطان سيف طالب بالمرحلة الثانوية باعتراف مماثل، حيث يقول: ' أصبح من الطبيعي أن يداهمني الإحساس بالغيرة، فوالدي يعاملني بشكل يختلف عن معاملته لاخوتى، وهى معاملة تتسم بالقسوة أحيانا وبالضغط أحيانا أخرى·
ولي الحق هنا بالسؤال: لم لا أعامل بالحسنى كبقية أخوتي؟ أليس هذا الأسلوب كفيلا بإبعاد مشاعر الغيرة، والكراهية لاحقا؟ ثم إذا ما حدث شيء بين الأخوة في المستقبل، فمن يكون المسؤول عن ذلك، الآباء أم الأبناء'·
عقلانية والدي
بينما ترى نهلة سعيد الشيبانى أن الغيرة شعور طبيعي موجود في كل مكان، وبأشكال ودرجات متفاوتة، وتضيف: ' لكن الغيرة في معظمها سلبية، وقد تصل إلى درجة خطيرة ومثال ذلك ما حدث بين قابيل وهابيل، لكن المرء بذكائه يستطيع أن يستوعب الأمر، وكل ما يدفع إلى الغيرة، فمثلا لدي أخت متفوقة دراسيا ومثقفة، حيث أنها تقضى وقت فراغها بقراءة الكتب، ولها شخصية تناقضني، ولطالما سمعت عبارات التوبيخ من والدتي، التي تردد على مسامعي جملة 'لما لا تكونين مثل أختك؟'··· لكن هذا الأمر لا يدفعني إلى غيرة حمقاء قد تولد مشاعر سلبية تجاه أختي، بل أحاول توضيح الأمر لوالدتي، فوجود الفوارق والاختلافات بين شخصين في الأسرة الواحدة، هو أمر طبيعي والحمد لله فاني لا أشعر بوجود أي تحيز في المعاملة، والسبب يعود إلى عقلانية والدي'·
فتِّش عن الوعي
قد يبدو للبعض أن الأبناء يبالغون في نظرتهم لتصرفات ذويهم، أو ربما يتهيأ لهم أن هناك تحيزا وتمييزا في المعاملة، لذلك لندع الآباء يتحدثون عن حقيقة مشاعرهم نحو الأبناء·
ترى أم محمود وهي أم لثلاثة أبناء أن معاملة الأبناء على قدم المساواة ليست بالأمر الصعب إذا ما كان الأهل على قدر معين من الوعي الكافي لإقامة نوع من التوازن في المعاملة·
وتضيف قائلة: 'اعتقد أن الأهل لا يشعرون بوجود الإشكالية إلا إذا طفت على السطح وظهرت في شكل سلوك ظاهر ومحسوس، أما إذا كانوا يجهلون ما يقومون به من تصرف فإن معالجتهم للأمر ستكون سلبية على الأرجح، لأنهم يوجهون أصابع الاتهام إلى الطفل نفسه ما يعود عليه بنتائج سلبية بطبيعة الحال'·
على الجانب الآخر يقول شريف عبد المنعم: 'إن الاختلاف في المعاملة بين الأبناء أمر لا يخفى على الأهل بطبيعة الحال، ومرد هذا الاختلاف يعود إلى الأطفال أنفسهم، فمنهم من يكون مطيعا لوالديه، قوي الشخصية ويحترم الوالدين في الوقت نفسه، ومنهم من يكون عكس ذلك تماما، وفي السياق ذاته قد يسبغ الوالدان جّل اهتمامهما على ابن نتيجة خفة دمه، وقد يحرمان ابنا آخر من اهتمامهما نتيجة كثرة متاعبه أو مطالبه، بالإضافة إلى أن هناك ما يشبه الإجماع بين الأسر على رعاية وتدليل الطفل الأصغر على اعتبار أن أخاه الذي يكبره سناً حصل على كفايته من التدليل والاهتمام· وأيا كان سبب الاختلاف في المعاملة، فإن الأمر يتطلب إعادة نظر كي لا يتطور إلى ما لا تحمد عقباه'·
تفضيل الذكور
ويتابع شريف: 'أعتقد أن العائلة المثقفة الواعية هي التي تدرك مدى خطورة هذا الأمر على الأبناء، لان الجهل وحده هو الذي يدفع إلى خلق نوع من الكراهية بين الأخوة، فهناك عائلات على سبيل المثال لا تزال تفرق بين الأبناء وتفضل الذكور على الإناث، بينما المعاملة السليمة في رأيي هي التي تساوي بين جميع الأخوة من دون تفضيل واحد على الآخر، والاهم من ذلك كله هو توزيع الحنان الابوى بشكل ينصف الجميع، كي يتم توزيع المحبة والتعاون أيضا بين الأخوة'·
غيرة عمياء
أما حسن أحمد (رب أسرة) فيعتبر أن وجود تمييز في المعاملة بين الأبناء هو حال معظم الأسر إن لم يكن جميعها، وهو أمر خاطئ لما له من تأثير كبير في سلوك وشخصية الطفل، أما فيما يتعلق باختلاف طبائع وأمزجة الأبناء في الأسرة الواحدة، وما يستدعي ذلك من تمييز وتفريق ظاهري فقط بينهم، فهذا ليس خطأ ما دام يستهدف تنمية شخصية الأبناء، ودفعهم إلى بلورة مفاهيمهم بالشكل المطلوب، أما ما يقلق في حقيقة الأمر فهو تلك المعاملة التي تختلف من ابن إلى آخر، فهذا يخلق حالة من التوتر، ما يؤدي إلى الغيرة العمياء التي تعمي القلوب والعقول معا وتجعل الأبناء متنافرين في ما بينهم وغير متفاهمين أو متعاونين'·
ويضيف حسن قائلا: 'أعتقد أن الغيرة هي شعور بالشك ينتاب الشخص، فأي شخص يشعر بالغيرة يكون غير متيقن ويشك في حصوله على الحب والاهتمام من قبل المحيطين به، ومن السهل في رأيي القضاء علي الغيرة كسلوك سلبي ليتم زرع السلوك القويم مكانه، وذلك بإبعاد الشعور بالريبة تجاه الآخرين وتوضيح الأمور جيدا، بحيث يفهم الأبناء أنهم سواسية في عيون آبائهم ولا فرق بينهم'·
الثواب والعقاب
محمد أحمد له تجربة مع أبنائه يرويها على النحو التالي: لدي ولد وبنت، أحاول قدر المستطاع أنا وزوجتي ألا نتصرف معهما على أساس التفضيل، بل نتبع دائما مبدأ الثواب والعقاب، وهذه أفضل طريقة لتفادي الوقوع في إشكالية تفضيل أحد الأبناء على الآخر، أما إذا حدث شيء من التمييز بينهما، فان الحوار الايجابي مع الأبناء كفيل بتوضيح الأمور، ويجب أن نتذكر دائما أن الرسول الكريم أوصانا بالعدل بين الأبناء، وفى النهاية لابد من الإشارة إلى انه من واجب الوالدين أن يحتاطا في تعاملهما مع أبنائهما حتى لا يتم ايقاد نار الغيرة بينهم'·
وباختصار يؤكد سالم عبيد مدرس لغة عربية: أنه من الطبيعي أن يشعر الفرد بالغيرة إذا ما أحس بأن معاملة أبيه وأمه لأحد أخوته أفضل من المعاملة التي يلقاها، ولذلك يصح القول إن الغيرة التي تحدث بين الأخوة مردها أولا وأخيرا إلى الوالدين فقط، حيث ينصب اهتمام بعض الآباء على ابن من دون الآخر، ما يجعل الطفل يفقد ثقته في نفسه وقدراته على العطاء، فيما يلقى اخوة من التشجيع ما يؤدي إلى حالة حسد وأنانية بينهما، وما يتبع ذلك من مشكلات'·