المهربون يعتمدون على مسالك جبلية وعرة لتهريب سمومهم ويستعينون بشبكات تهريب الوقود والبدو الرحل، والجمارك الجزائرية تعترف بعدم قدرتها على التصدي لهم بإمكاناتها الحالية المحدودة
الجزائر- حسين محمد:
بلغ تعاطي المخدرات في أوساط الشباب والمراهقين في الجزائر مستوى مخيفا في السنوات الأخيرة ، وتشير آخر التحقيقات الطبية إلى تصاعد مذهل لنسب المدمنين على مختلف أنواع المخدرات وبدائلها بعد أن تحولت الجزائر بحسب تقارير المرصد الوطني لمكافحة الإدمان ومحاربة المخدرات من منطقة عبور للسموم خلال العشرية الزمنية الماضية إلى منطقة استهلاك كبيرة ، على الرغم من جهود قوات الأمن وحرس الحدود والجمارك لمكافحة هذه الآفة، وإحباط المئات من عمليات تهريب المخدرات ومحاربة عصاباتها، وكذا كل الجهود التي تقوم بها فعاليات المجتمع من جمعيات ووسائل إعلام ومساجد وغيرها لتوعية الشباب وإرشاده إلى الخطر المحدق به من جراء الإدمان على هذه السموم ·
لكن كيف انتشرت المخدرات على هذا النحو؟
من أين تأتي إلى الجزائر التي لا تزرع أياً منها؟
لماذا تفشت بين طلاب وطالبات الثانويات؟
التحقيق التالي يجيب عن هذه الأسئلة:
يكشف تحقيق حديث قامت به مؤخرا الهيئة الوطنية لترقية الصحة وحمايتها حول استهلاك المخدرات داخل ثانويات العاصمة، عن كارثة حقيقية تهدد المجتمع الجزائري دون استثناء· التحقيق أجري على طلبة في 20 ثانوية بمختلف أنحاء العاصمة ويهدف إلى مراجعة نتائج التحقيقات الطبية التي أجريت على نفس الفئات في سنة 2003 وقد تبين أن تعاطي المخدرات في أوساط الطلبة تراجع بنسبة قليلة لكنه بقي يرعب الحكومة بشكل دفعها إلى تطبيق إجراءات أمنية صارمة تمنع توقف كل أشكال السيارات أمام بوابات المدارس والإكماليات والثانويات كمحاولة منها لقطع طرق الربط بين تجار المخدرات والموزعين للسموم ·
وشمل التحقيق 2664 طالبا ثانويا تم استجوابهم من طرف فريق طبي مكون من أطباء ومختصين نفسيين وتربويين يرأسهم الدكتور مصطفى خياطي رئيس هيئة ترقية الصحة وحمايتها 60 % من الطلبة إناث و40 % ذكور تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة ، وخلص التحقيق إلى أن 56% من طلبة الثانوية من الجنسين يتناولون المخدرات و31 % من الطلبة المستجوبين أعادوا السنة مرة على الأقل خلال مسارهم الدراسي بسبب الاضطرابات الناجمة عن تناولهم المخدرات ، وكشف عن أن91 % من الطلبة يعرفون المخدرات وأنواعها وأشكالها ·
وتبين أن 25 % من الطالبات و60 % من الطلبة لهم أصدقاء مدمنون على المخدرات، وأدى ذلك إلى انحراف هؤلاء حيث عادة ما تفقد الطالبة الثانوية التي دخلت عالم المخدرات عذريتها وقد تحمل سفاحا على يد أصدقاء السوء ومنهن من يلتحقن بعالم الملاهي الليلية والدعارة بعد أن تكتشف عائلاتهن حملهن ويقومون بطردهن من البيت العائلي ·
وأضاف التحقيق أن الأغلبية الساحقة من طلبة الثانويات يتعاطون المخدرات في مجموعات داخل الثانوية في فترة ما بين الحصص وفي وقت الاستراحة بنسبة 16 % و20 % في الفترة ما بين منتصف النهار والثانية ظهراً، أما الباقي فيتناولون جرعات مخدرة في الليل ·
القنب الهندي أو الكيف
أما الأنواع الأكثر تداولا وسط الطلبة، فهي القنب الهندي أو 'الكيف' المعالج أو'الشيرة' كما يسمى في مناطق الغرب الجزائري ، ومصدره الأساسي المغرب باعتباره البلد الأول عالميا في إنتاج القنب الهندي بحسب التحقيق الذي أجراه ديوان الأمم المتحدة لمحاربة المخدرات والجريمة مؤخرا ·
وإضافة إلى القنب أو الكيف المغربي، فإن 30 % من الطلبة يتعاطون الحبوب المخدرة أو ما يسمى في الأوساط الطبية ب 'الأقراص المهلوسة' ومصدرها أوروبا بالدرجة الأولى ، وتقول أجهزة الجمارك إن شحنات معتبرة من الحبوب المخدرة نوع ' ريفولترين 2 ملغرام' تم حجزها في عدة عمليات تفتيش للمسافرين الجزائريين في المطار خلال سنة 2004 قدرت ب11600 حبة مهلوسة خطيرة كانت موجهة للشباب بينما بلغ عدد الأقراص المهلوسة بمختلف أنواعها المحجوزة في سنة 2004 ربع مليون قرص مقابل 10 آلاف قرص فقط في ،2003 وهي أرقام تؤشر لمدى استشراء الآفة وتزايدها السريع في أوقات قصيرة، وأضافت أجهزة الجمارك أن تجار المخدرات يستعملون طرودا بريدية لتهريب الحبوب المخدرة التي كثر الطلب عليها وسط الشباب وهي البديل الأول عن القنب الهندي ·
وقد فككت أجهزة الأمن عدة شبكات لتهريب الحبوب المهلوسة والأقراص الموجهة لمعالجة المرضى العقليين من صيدليات خاصة إلى الأسواق، وتضم الشبكات أطباء وصيادلة وتجار مخدرات·
الهيروين للباحثين عن التميز الطبقي
أما الأنواع الخطيرة التي لم يسبق للجزائر أن عرفتها أو تسللت إلى أوساط شبابها فهي 'الهيروين' أخطر مادة مخدرة بحيث يؤدي تعاطيها إلى الموت ، ولم يكن الجزائريون يعرفون الهيروين منذ سنوات لغلائه و لكنه بدأ يدخل البلد بكميات قليلة موجهة أساسا لبعض الأبناء المنحرفين للأسر الثرية الذين يحرصون على 'التميز الطبقي'عن أبناء الفقراء حتى في تناول السموم · ويصل سعر الغرام الواحد منه إلى 1200 دينار؛ أي ما يعادل سعر 1 غرام من الذهب في الجزائر، وقد أكد لنا مصدر أمني أنه تم ضبط كميات من الهروين مؤخرا مع مجموعة من المهاجرين الأفارقة القادمين من دول أفريقية·
مركز عبور
إذا تحدثنا عن المخدرات في الجزائر فإننا نتحدث عن مركز عبور كبير للمواد المخدرة في حوض البحر الأبيض المتوسط باعتراف السلطات ؛ ولا تنتج الجزائر أي نوع من المخدرات، حتى وإن بدأت تكتشف مزارع صغيرة ومحدودة ببعض مناطق الوطن بحسب ما علمناه من مصادر بالأمن والجمارك، لكنها تتلقى كميات كبيرة من منتجي القنب المغربيين ، وتتحدث معلومات من جهات رسمية جزائرية عن تدفق أكثر من 12 طنا من القنب الهندي أو ما يسمى الكيف المعالج المزروع في الريف المغربي إلى الجزائر منذ تاريخ غلق الحدود بين البلدين في ديسمبر ·1994 وشكل تهريب المخدرات ملفا من الملفات الحساسة التي عكرت مسألة فتح الحدود بين البلدين بعد قضية الصحراء الغربية؛ إذ تطالب الجزائر المملكة المغربية ببذل جهود أكبر لمكافحة الآفة داخل حدودها ·
وتفكر وزارة الداخلية بوضع نظام أمني جديد لتعزيز مراقبة الحدود وإحباط عمليات التهريب بعد أن تضاعفت بشكل محسوس منذ غلق الحدود الجزائرية المغربية في أغسطس 1994 ، وعلى سبيل المثال، شهدت ولاية بشار (1000 كلم جنوب غربي العاصمة) ارتفاعا في كميات المخدرات المهربة يقدر ب 55,57 % مقارنة بالسنة التي سبقتها ما يعني بوضوح أن غلق الحدود بين الجزائر والمغرب لم يقلص عمليات تهريب' الكيف' أو القنب، بل تضاعف خلال السنوات العشر الماضية، وساهم في تفاقمه الوضع الأمني بالغ التردي الذي مرت به الجزائر في التسعينيات حيث استغلته عصابات المخدرات لإغراقها بالحشيش والقنب والحبوب المهلوسة ·
وبحسب الأرقام التي أعلنت عنها وزارة الصحة ومركز مكافحة الإدمان، فإن عدد المدمنين في الجزائر تضاعف بشكل مفاجئ وغير متوقع ، بسبب تحويل الأراضي الحدودية الجزائرية والأقاليم البرية الغربية إلى مراكز عبور دولية للقنب المغربي ليوزع إلى أفريقيا وآسيا وعبر مضيق جبل طارق إلى دول أوروبا·
وتعترف الجزائر بضعف الترسانة الأمنية لمراقبة الحدود البرية الممتدة على طول 1374 كيلومترا ، وهو شريط بري من الصحارى والجبال الصخرية الواقعة في جبال سبدو في تلمسان- 400 كلم جنوب غربي العاصمة- وتحرسه 13 فرقة جمركية متنقلة فقط بعد إجراءات غلق أربع مكاتب للرقابة الجمركية الثابتة على الحدود البرية مع المغرب نهاية 1994 في كل من منطقة العقيد لطفي والعقيد عباس ومركز بوكانون في ولاية تلمسان وغلق مركز بني ونيف في ولاية بشار·
ويقول مسؤولون بالجمارك إن سبب اتساع مواقع تعاطي المخدرات وارتفاع عدد المدمنين يعود أساسا إلى انتعاش سوق القنب المغربي في الجزائر، وانخفاض أسعاره التي وصلت إلى 50 دينارا فقط للقطعة ، كما تقول تقارير جمركية نشرت في عدد خاص لمجلة تابعة للمديرية العامة للجمارك ، إن وسائل الرقابة التي تعتمدها الجزائر حاليا ضعيفة وغير كافية لحماية الحدود من عصابات القنب الهندي ، وتذكر نفس التقارير أن الفرق الجمركية المتنقلة لا يمكنها مهما بذلت من جهود، أن تحبط المئات من عمليات التهريب لأن الفرقة الجمركية الجزائرية لا تعمل وفق الشروط العالمية فهي متكونة من 10 أفراد فقط فيما يبلغ عددها في دول أخرى 50 فردا ، فالنقص الكبير في رقابة الحدود بحسب المسؤولين كان دافعا لمضاعفة نشاط التهريب وسببًا في فشل مقاومة عصابات المخدرات التي يديرها رعايا جزائريون بحسب تصريحات أمنية بنسبة 95 بالمئة ، والبقية من مزدوجي الجنسية جزائرية- فرنسية ·
وأثارت الأرقام المقدمة حول الإدمان في الجزائر مخاوف كل الأجهزة الحكومية على الرغم من الإبقاء على قرار غلق الحدود الغربية ، فالحكومة تتوقع تدفقا مرعبا للحشيش والقنب الهندي في السنة الجارية ، لاسيما أن المهربين أصبحوا يقايضون المخدرات بالبنزين والمواشي والسلع الجزائرية ويستعينون بشبكات تهريب هذه السلع بحسب مصادر أمنية ، وبلغ تهريب المخدرات ذروته سنة 2004 ؛إذ حجزت الجمارك كمية هائلة تقارب 4 أطنان من الكيف المعالج في منطقتي بشار وتلمسان الواقعتين على الحدود مع المغرب ·
ويجهل إلى حد الآن حقيقة حجم المخدرات الموزعة في الجزائر أو المهربة إلى دول أخرى عبرها، لكن أجهزة الأمن تعمل وفق مقياس لتقدير حجم المخدرات المهربة يقول إنه إذا تم حجز طن من المخدرات في عملية أمنية فإن 100 طن تسربت إلى الأسواق الداخلية في المقابل·
مناطق ساخنة
حددت أجهزة الأمن الجزائرية مجموعة من المناطق الساخنة التي تعتبر منافذ جغرافية للمخدرات واقعة على مثلث يمتد بين تلمسان وعين الصفراء ومدينة 'لفقيق' المغربية التي تبعد عن أقرب نقطة جزائرية ،وهي بني ونيف ، ب2 كلم فقط ·
وتقول نفس المصادر أنه من المستحيل أن تراقب كل هذه الأقاليم الجغرافية نظرا لصعوبة تضاريسها ، كما أن المهربين أصبحوا يتعاملون مع البدو الرحل لتهريب 'الكيف' أو القنب الهندي ، وصنفت منطقة 'مغنية 'الحدودية أهم معبر للمخدرات من الغرب إلى المناطق الوسطى والشرقية الجزائرية ، وتتم صفقات بيع المخدرات بحسب التحقيقات وفق نظام معقد جدا يصعب الإطاحة بكل أطرافه ، كما أن عمليات البيع تتم في مناطق صحراوية مختلفة ، ويعتمد المهربون على وسائل نقل ثقيلة لتحويل الأطنان من الكيف عبر الشريط الممتد من منطقة تدعى 'العريشة ' جنوب تلمسان ومنطقة' القصدير' جنوب ولاية النعامة ·
وتقول مصادر أمنية متتبعة لملف محاربة تهريب المخدرات أنه توجد منطقة تدعى ' مصباح' واقعة على بعد 60 كلم من ولاية سعيدة كانت واقعة تحت سيطرة الجماعات الإرهابية وتحولت بمرور الوقت إلى محول رئيسي للمخدرات القادمة من مغنية وتعبر منطقة سبدو ، ويحول جزء من الكميات العابرة وفق الخارطة المذكورة عبر المناطق الجنوبية الشرقية لتصل إلى تونس ومنه إلى الشرق الأوسط ، أما الجزء الآخر فيعبر إلى ليبيا ·
وبالنظر إلى الأرقام حول تجارة المخدرات والإدمان، فإن الجزائر تواجه عجزا كبيرا في مواجهة عصابات المخدرات التي تغرق أسواقها الداخلية· وكتحصيل حاصل، أصبحت ظاهرة الإدمان تهدد المجتمع والأسرة الجزائرية، بعد أن أصبحت المخدرات تصل بسهولة إلى المدارس والثانويات والجامعات وتزايد الطلب عليها كوسيلة للهروب من المشاكل الاجتماعية والمعيشية الخانقة التي أصبح يعيشها الشباب الجزائري من بطالة مستشرية وفقر وتهميش؛ إذ أكد التقرير الأخير للأمم المتحدة للتنمية البشرية المنشور منذ أيام أن 50 بالمئة من الشباب الجزائري يعانون البطالة كما أن 12 مليون جزائري يعيشون بأقل من دولارين يوميا ، ولكن الشباب لا ينال من هذه الوسيلة الهروبية إلا المزيد من المتاعب الصحية والمالية والمعيشية·
المخدرات والجريمة
ويربط رجال الأمن بين ارتفاع نسبة الجريمة في الجزائر وبين ارتفاع نسبة المدمنين على المخدرات ، وتبين أن جل المتسببين في الجرائم أو مرتكبي أعمال عنف وسطو على الممتلكات والأشخاص كانوا تحت تأثير المخدرات، وأغلبهم يلجأ إلى السرقة المصحوبة بالعنف لسرقة المال قصد الحصول على المخدرات التي أدمن عليها بدل معالجة نفسه في مراكز معالجة الإدمان التي يبقى الإقبال عليها محدودا، وبلغ استعمال العنف كوسيلة لتوفير أثمان المخدرات مستوى مخيفا؛ حيث قتل عدة شبان مدمنين أقارب لهم من الدرجة الأولى ( أب ، أم، جد) بسبب رفضهم تزويدهم بالمال لشراء السموم، كما قام آخرون بسرقة حلي ومجوهرات أمهاتهم وأخواتهم لنفس الغرض، بينما شاعت عمليات خطف حقائب النساء في الأسواق والساحات العمومية ووسائل النقل وكذا السطو على رؤوس هوائيات استقبال الفضائيات من أسطح العمارات ليوفر بها المنحرفون ثمن السموم ·
الاستدراك أو الانهيار
وبحسب تصريحات مسؤول مكتب مكافحة المساس بالأشخاص على مستوى الشرطة القضائية بالجزائر، فإن نسبة كبيرة من الجرائم أو الاعتداء على الأشخاص بالسلاح تتم تحت تأثير المخدرات وكل الأشخاص الموقوفين في جرائم القتل والاعتداءات بالأسلحة البيضاء من مدمني المخدرات ورواد السجون، وهو ما أفشل كل الحملات التي تقوم بها الدولة للقضاء على الإجرام الذي بلغ مستويات خطيرة في السنوات الثلاث الأخيرة، إذ لم تفلح التدابير العقابية المتخذة بحق المنحرفين الذين تغص بهم السجون في تراجع نسبة الجريمة في الجزائر، مما يعني أن التركيز على الجانب الأمني لن يؤتي ثماره في ظل العجز عن محاربة الأسباب والجذور وهي ليست مهمة الأمن ولا الدولة وحدها بل هي مهمة الأسرة والمدرسة والمساجد وسائل الإعلام والجمعيات وكل فعاليات المجتمع إذا أراد هذا الأخير إنقاذ نفسه من التفكك والضياع قبل فوات الأوان·