الأحد 31 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الظاهر بيبرس حصن الأمان وقاهر الشيطان

الظاهر بيبرس حصن الأمان وقاهر الشيطان
7 أكتوبر 2005
القاهرة ـ حمدي ابوجليّل:
رسوم: عصام طه
الظاهر بيبرس بطل شعبي وشخصية تاريخية في نفس الوقت، البطل الشعبي هو الذي تصنعه الجماهير، تضع فيه احلامها وطموحاتها وتعتبره مخلصا، وبطولاته في الغالب اسطورية وغير معترف بها في التاريخ الرسمي الاكاديمي، والشخصية التاريخية هي التي لعبت دورا مؤثرا في مرحلة معينة، ومكانها المعتمد هو صفحات التاريخ الرسمي، وبيبرس جمع الاثنين معا ولعب دورا مؤثرا في تثبيت اركان دولة المماليك بعد مقتل السلطان قطز، وفي نفس الوقت تحول الى بطل شعبي، اسطوري، سيرته كانت تروى على مقاهي القاهرة ودمشق وبغداد حتى وقت قريب، وبيبرس في سجلات التاريخ الرسمي مملوك طموح قفز على السلطة بخيانة مروعة لرفيق رحلته، وبالنسبة للذاكرة الشعبية بطل مخلص ونموذج للفضيلة والعدل، وربما يكون البطل الشعبي الوحيد الذي وقع في جب الخيانة، الابطال الشعبيون قضوا حياتهم في منازلة الخونة واللصوص، وبيبرس خان اقرب المقربين اليه، رفيق عمره السلطان قطز، طعنه من الخلف وهو في اوج انتصاره الساحق على التتار وإنقاذ البشرية كلها من دمارهم، ولكن الذاكرة الشعبية غفرت له هذه الزلة وبررتها له بشتى الطرق، ورواتها قالوا انه تجرع كاسات الندم على فعلته، وان هناك من غرر به واوغر صدره على السلطان قطز·
الظاهر بيبرس، حسب سجلات التاريخ الرسمي، ولد بوسط آسيا، وقضى بها شطرا من صباه الى ان بيع الى احد النخاسين عندما هاجم التتار بلدته عام 640 هجرية، واشتراه تاجر وسافر به الى حماه، وهناك عرضه على السلطان منصور، وكان مازال صبيا، ولا يشتري الرقيق الا بموافقة الصاحبة والدته، وحينما عرض عليها بيبرس وزميله قالت لولدها السلطان 'خذ المملوك الابيض، والاسمر 'تقصد بيبرس' لا تكن بينك وبينه معاملة، فان عينيه فيهما الشر لايح·
بيبرس انتقل بعد ذلك الى حلب، وبيع في القاهرة للامير علاء الدين البندقداري، وسرعان ما تنازل عنه للملك الصالح ايوب سنة 641 هـ، والملك الصالح اعجب به وقربه وعينه على رأس فرقة من حراسه الشخصيين، ثم جعله ملتزما على بنها، وعينه في عدد من المناصب مثل معمارجي باشا أي المسؤول عن المباني في القاهرة، وامين الاخشاب وكاشف الجيزة ، وتدرج بيبرس في المناصب حتى اصبح قائد فرقة المماليك التي كان لها الفضل الاول في صد حملة لويس التاسع على مصر سنة 647 هـ، وبعد وفاة الملك الصالح اختلف بيبرس مع ابنه توران شاه، وشارك في مؤامرة قتله، غير انه فر من ملاحقة السلطان المملوكي الاول عزالدين ايبك الى الشام، والتحق بعدد من الامراء الايوبيين وتنقل بين دمشق والكرك ولم يفكر في العودة الى القاهرة الا بعد اغتيال السلطان عز الدين ايبك، وعهد اليه السلطان قطز بقيادة طليعة الجيش المسير لقتال التتار، وبعد انتصار قطز في عين جالوت نفذ بيبرس اول انقلاب سياسي ناجح في دولة المماليك، اغتال السلطان قطز واخذ البيعة مكانه وقيل ان بيبرس، قبل مقتل قطز، لم يكن يفكر في ابعد من ولاية حلب، ولكن سرعة ضبطه للأمور واخذه البيعة لنفسه في سرادق عزاء قطز تثبت انه بيت النية للاطاحة به والتسلطن مكانه·
ودخل بيبرس القاهرة سلطانا وبايعه القادة فور مقتل قطز، ولكنه سمع نصيحة بأن سلطنة مصر لا تتم الا بطلوع قلعة الجبل، وصعد الى قلعة الجبل، وتمثل خطوات بانيها الاول صلاح الدين الأيوبي، وبويع وتلقب بالملك القاهر، واشار عليه وزيره زين الدين بتغييره وقال له 'ما تلقب به ملك وأفلح'، فتلقب بالظاهر، وبدأ نشاطه السلطاني بتقسيم مناصب الدولة الكبرى بين انصاره، وثبت باقي حكام الاقاليم وعمال الايوبيين في مناصبهم، غير ان مملكته الناشئة واجهت ظروفا صعبة، ونجح بيبرس في القبض على حاكم دمشق الذي انتفض عليه وأعلن انه أحق منه بالسلطنة، وواجه الصليبيين، وانتصر على ملك النوبيين جنوب مصر، وحل مشكلة التشكيك في شرعية ملكه وغيره من سلاطين المماليك، باعتبارهم، في الاصل، رقيقا يباع ويشترى - بتنصيب ابن الخليفة العباسي الظاهر الباقي من مذبحة التتار خليفة او حاكما صوريا على مصر والشام والعراق المحتل من التتار، ومنحه لقب قيم الدولة، ووعده باستعادة ملك العباسيين الضائع ببغداد، ولكنه تآمر عليه، ووضعة على رأس جيش ضعيف لمحاربة التتار وبيبرس كان يعرف انه سيهزم، وعندما هزم وقتل الخليفة قيم الدولة في قلب المعركة، انفرد بيبرس بابنه، وكان هو نفسه ضعيفا، وفي خطبة توليه اعترف بخضوعه التام للسلطان بيبرس ، وتحت ظله استمد بيبرس شرعية حكم مكة والمدينة وتلقب بلقب خادم الحرمين الشريفين، ويعتبر اول من ارسل محملا يحمل كسوة الكعبة الشريفة من الحكام المصريين، وهي عادة حافظ عليها رأس السلطة في مصر على مدى مئات السنين، وكانت كسوة الكعبة الشريفة تخرج من القاهرة الى مكة كل عام في احتفال شعبي ورسمي كبير حتى خمسينات القرن الماضي·
القوى الخارجية
وابرز انجازات بيبرس بعد تأسيس دولة المماليك الخلاص من تهديد القوى الخارجية لدولته المترامية الاطراف، فقد تفاوض مع التتار واستضاف بعضهم في القاهرة، مكان حي باب اللوق الان، وتزوج تاج تخت ابنة الخاقان بركة خان، وانتصر على الصليبيين، واستطاع تحطيم الامير بويموند صاحب طرابلس وانتزع انطاكيا، ثم احتل مناطق صفد وبرج وسافينا وحصن الاكراد، واخضع قادة الاسماعيلية وعينهم عمالا له، ونجح في توجيه خناجرهم تجاه الصليبيين وخاصة قوات الامير إدوارد الذي اصبح فيما بعد إدوارد الاول ملك انجلترا، كما ان بيبرس كان ذا نزعة توسعية، ويعتبر اول سلاطين مصر الذين وسعوا رقعتها ناحية الجنوب، فقد غزا بلاد النوبة، ودخل في طاعته الملك يشكر، كما اخضع البربر لسلطانه·
وكان بيبرس يتميز بالسرعة والجرأة والبراعة في التنظيم، وعدد من المؤرخين قالوا ان خطوط البريد كانت تقطع كافة اقاليم مملكته بسرعة فائقة، وكان هو نفسه يتنقل بفرسانه في كل مكان، ويباغت المدن البعيدة في الوقت التي يظن اهلها انه في القاهرة، واعظم مجازفاته مهاجمته مع اربعين من فرسانه حصن الاكراد، ومما يروى ان بيبرس تنكر في ثياب شيخ عرب مسن ودخل مدينة طرابلس خفية لكي يتأكد من قدرتها على المقاومة، مما يسر له اقتحامها فيما بعد، كما انه اعاد ترميم ما دمره التتار من دور ومؤسسات في كافة ارجاء مملكته الممتدة من العراق حتى مصر، واقام المنشآت في المناطق الهامة، وهو الذي ابتدع التقليد المتبع في بلاد اهل السنة، وهو تنصيب قاض خاص لكل مذهب من مذاهب السنة الاربعة·
الشيطان
والرواية الشعبية لسيرة الظاهر بيبرس تختلف عن الرواية التاريخية الرسمية في انها اطلقت عليه اسم محمود، ووصلت نسبه ببيت ملكي، وقالت ان نسبه يعود الى القان شاه جمك من السيدة آبق، وان أباه كان ملك خوارزم العجم، وقالت ان مولد بيبرس كان في اعمال خوارزم بمدينة المشرق، وانه كان ذكيا وفطنا ويحفظ القرآن الكريم، ووصفته بانه حازم وحاسم وحاد، اذا غضب يكون وجهه جداريات تملكه من جانبه الايمن للايسر، ويظهر بين عينيه شعر اسود، واذا راق لم يكن لذلك منه اثر، وكان مثالا للشجاعة والإقدام وأرسى دعائم دولة المماليك وواجه الاعداء من التتار والصليبيين، غير ان الرواة الشعبيين لسيرة الظاهر ركزوا على تعقبه لجوان حتى نال منه وخلص الدولة الاسلامية من ذلك الشرير الذي وصفه الرواة الشعبيون بانه الصورة المجسمة للشيطان·
وجوان هو الوجه الاخر لبيبرس، هو مثله ذكي وشجاع ومقدام ولكنه يسعى لاهداف مناقضة، بيبرس كان يحاول بناء الدولة الاسلامية وتثبيت اركانها، وهو لا يكف عن محاولة هدمها·
جوان اقترب من الصليبيين وكبر بينهم فارسلوه لدير العمود المخصص لتفقيه وتعليم ابناء الملوك، ودرس مع اربعين اميرا، وكان اقربهم اليه فتى يدعى سيف الروم، لا يفترق عنه، ولا يدبر شيئا الا بعد اطلاعه عليه، وتلازما حتى فرغا من دراسة النصرانية وسائر علوم عصرهما، وكان من عادة الدارسين في هذا الدير النزول الى البحر كل عام وقطع الطريق على الحجيج وأسرهم، وفي احدى مغامراتهم كان بين الاسرى رجل صالح من العراق اسمه صلاح الدين العراقي، وكان صاحب فضل واشراق، يتفنن في علوم كثيرة في الحديث والتفسير، كما ان له باعا في فنون الادب والمنطق وسائر العلوم الدينية والدنيوية، وجوان سمعه وهو يرتل القرآن فأعجب به، وأسر لزملائه بأن اسيرهم 'ما هو إلا راهب من رهبان المسلمين' وأشار عليهم بأن يستغلوه ويتعلموا منه ما عند المسلمين من علوم، ففكوا اغلال الشيخ صلاح وأكرموه ولازموه اربع سنوات، وبعدما حصلوا منه على كنوز العلم والمعرفة قتله جوان سرا ودفنه صاحبه سيف الروم في ركن من اركان دير العمود، وحينما علم رهبان الدير بفعلتهما طردوهما في الحال·
وجوان اعتبر الطرد فرصة مناسبة لتحقيق هدفه في النيل من الخلافة الاسلامية بالقاهرة، فاستغل ما تعلمه من الشيخ وتنكر في زي عربي وأطلق على نفسه اسم صلاح الدين وسحب صاحبه سيف الروم الذي تنكر مثله وتلقب بالمنصور، وتوجها للقاهرة اثناء الصراع على السلطة في اواخر ايام الملك الصالح ، والتقيا بعز الدين ايبك وهو يخطط للقفز على عرش مصر بعد رحيل الملك الصالح، وكان في ذلك الوقت مريضا وعالجه الشيخ المزيف صلاح الدين، فأمنه ايبك ووقره واتخذ منه اماما، وعندما توفى قاضي الديوان توسط ايبك لدى الملك الصالح ايوب، فنصب جوان المتنكر قاضيا مكانه، واستغل جوان الفرصة، ووقف جهوده على حبك الدسائس وتدبير المكائد والعمل ليل نهار على افساد امور المسلمين وتقويض دعائم دولتهم، غير ان الامير بيبرس اكتشف امره ووقف له·
وفي ذلك الوقت كان بيبرس من الامراء المقربين من الملك الصالح ايوب وكان عاملا على الاسكندرية، وهناك حاصر جوان ولكنه فرّ منه الى جنوة، وانذر بيبرس الملوك الصليبيين بانه سيشن الحرب على كل من يأويه ولا يسلمه اليه منهم، فاتجه جوان الى المجوس وادعى انه يعبد النار مثلهم، كما ادعى الاسلام والمسيحية من قبل، وبدأ يؤلب المجوس على المسلمين ويحثهم على مهاجمة دمشق وغيرها من المدن العربية والاسلامية، غير ان بيبرس قبض عليه وامر بقتله وخلص الخلافة الاسلامية من شروره كما خلصها من جحافل التتار وأساطيل الصليبيين·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©