أحمد الشهاوي:
عبد الله واد الرئيس الحالي للسنغال والبالغ من العمر( 79 سنة ) كان مرشح المعارضة في انتخابات الرئاسة التي أجريت في مارس 2000 ميلادية ، و قد استطاع إزاحة الرئيس السنغالي عبده ضيوف بعد تسعة عشر عاماً من تشبثه بالسلطة ، و كان قد تولى الحكم سنة 1982 ميلادية في تغيير سلمى أزاح الرئيس السابق عليه' ليو بولد سيدار سنجور'، الشاعر الكبير وأول أفريقي يحصل على جائزة نوبل في الآداب ' ، حيث كان واد يمثل مطلباً وطنياً و ديمقراطياً لجماهير السنغال الراغبة في التغيير ·
و قبل مجئ عبد الله واد ، صنفت السنغال من بين البلدان الأقل تقدماً ، فهناك 65% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر ، فهى من بين 175 دولة احتلت فيها المرتبة 160 و فقاً لترتيب النمو البشري الذي و ضعه برنامج الأمم المتحدة للتنمية ،ويحلم أهلها أن تكون أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية مشابهة لوضعها في مجال كرة القدم ، فالسنغال أصبحت في السنوات الأخيرة واحدة من أفضل الدول الأفريقية في كرة القدم ·
مسلمو السنغال ·· وفبول الآخر
و على الرغم من أن السنغال دولة مسلمة فقد رأسها رئيس كاثوليكي رومانى في حقبة ما بعد الاستعمار على مدار عشرين عاماً من ( 1960 1980 -ميلادية ) إذ رأس الشاعر سنجور واحدة من أكثر الحكومات حرية في قارة أفريقيا دون أي اضطرابات في الشوارع و أية محاولات للاغتيال، فقد تخطى الحاجز الديني في المجتمع السنغالي ، ليس لأن المجتمع كان يقدسه ، و لكن لأنه من أكثر المجتمعات علمانية ، فعلى الرغم من أن الغالبية مسلمة ، فإن الإسلام لم يظهر كمنافس لسلطة الدولة ، وإنما كقوة موازية في المجتمع المدني تحد من بطش الدولة ، فكما يشير فيلالون ' تتركز الأهمية السياسية للإسلام في السنغال ، في نطاق علاقات الدولة والمجتمع لا في الصراع من أجل السيطرة على الدولة ' ·
فالمسلمون في السنغال هم الأكثر قبولا للآخر في القرن العشرين ، فهي دولة أفريقية مسلمة تمارس حياتها بنكهة أوروبية وتتحدث باللسان الفرنسي ·
و السنغال التي يسكنها مليون نسمة ، لا تطبق عقوبة الإعدام في الواقع الفعلى · وقد دخلها الإسلام في القرن الحادى عشر الميلادي مع قبيلة ' صنهاجة ' الأمازيغية ، واسم السنغال آت من النطق البرتغالي لاسم تلك القبيلة·· وفي القرن الخامس عشر الميلادي احتلت قوات أوروبية أجزاءً من شاطئ السنغال ، حتى احتلت فرنسا البلاد كلها بعد حروب عديدة في عام 1902 ميلادية ·و تعد السنغال دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب ، إذ يتم انتخاب رئيس الجمهورية لخمس سنوات ،وفيها اثنيات عديدة منها 'فالولف 'تشكل 43% من سكان البلاد وسيرير 15% ، وجولا 4% ، والمندينكا 3% ، وهناك أقليات فرنسية ولبنانية عددها حوالي خمسين ألفاً ،و لهذا فهى متعددة اللغات ، وأكثر اللغات شيوعا الولفية ··أما اللغة الرسمية فهي الفرنسية لكن لا تعرفها إلا أقلية، كما يستخدم السكان الكثير من المصطلحات العربية في لغاتهم ، و معروف أن 94% من السنغاليين مسلمون ، و5% من المسيحيين ، و1% لهم دين تقليدي ، و مسلمو السنغال يتبع أغلبهم المذهب المالكى كعادة دول غرب أفريقية ، كما ينتمى أغلب الصوفيين في السنغال إلى الطريقة التيجانية ·
وهي من أوائل الدول الأفريقية التي أعطت بعثة منظمة التحرير الفلسطينية وضعاً دبلوماسياً · وعلاقتها عميقة بعدد كبير من البلدان العربية والإسلامية ·
و قد أتت قوى أوروبية عديدة لاحتلال السنغال في القرن الخامس عشر الميلادي وما تلاه ، و قام البرتغاليون بالسيطرة على الممالك الساحلية للبلاد ، ثم أعقبهم البريطانيون ثم الفرنسيون ثم الألمان ، وجميعهم كانوا يأملون في السيطرة على جزيرة سانت لويس و المناطق الاستراتيجية الأخرى التي تعد من أهم مصادر تجارة الرقيق ، ثم انتهت البلاد في حوزة الفرنسيين في عام 1659 ميلادية ·
دولة سنجور
والسنغال - المعاصرة التي أسسها سنجور - دولة علمانية ديمقراطية اشتراكية ، تؤكد المساواة أمام القانون لكل الموطنين ، دون تفرقة بسبب الأصل أو العرق أو الجنس أو الدين و تحترم كل المعتقدات ، والسيادة الوطنية هي للشعب السنغالي ويمارسها بواسطة ممثلين و نواب عنه يتم اختيارهم عن طريق التصويت بالانتخاب، وعلى غرار غالبية الدول الأفريقية نجحت السنغال في الحفاظ على مناخ أو بيئة اجتماعية وسياسية مستقرة نسبياً منذ فترة الاستقلال في 1960 ميلادية ، و منذ ذلك التاريخ امتلك السنغال الدستور الذي تم تعديله تكرارا·
شيخ الشباب
و يطلق على عبد الله واد حكيم أفريقيا ، ويداعبه القذافي بقوله ' شيخ الشباب أو شاب الشيوخ ' و يراه أيضاً جاء على رأس حركة شعبية كانت في المعارضة وأعطى أفريقيا دما جديدا ودفعا جديدا ' ·
و له كتاب عنوانه ' مصير أفريقيا ' يرى فيه أن السبب في عجز النخبة السياسية في القارة الأفريقية عن تحقيق تطلعات الأفارقة ينبع من تخبطها وابتعادها عن النبراس الذي رسمه له رموز القارة السوداء ، المؤسسون لدعائم القومية الأفريقية وعلى رأسهم كوامي نكروما ·· فالقومية الأفريقية جاء ت كرد فعل لعملية الاسترقاق ، قادها في البداية أفارقة الشتات قبل أن تنخرط فيها أعداد كبيرة من أبناء الداخل بعد أن نال عدد من دول أفريقيا جنوب الصحراء استقلالها·
الاستجابة الكبيرة للفكرة وربطها بأهداف طموح بعد خروج الاستعمار، وهي قيام الولايات المتحدة الأفريقية ، واجهتها بعض العقبات ، قيام منظمة الوحدة الأفريقية وإن كانت دون ما تتطلع إليه رموز مرحلة المد التحرري والوحدة الأفريقية حافظت على تماسك الدول الأفريقية وعلى انتظام الاجتماعات الدورية للقمة ومهد لقيام الاتحاد الأفريقي ، و هو بلا شك خطوة مقدرة في طريق طويل وشاق قبل الوصول إلى افريقيا الموحدة سياسياً
و قد تحدث عبد الله واد عن أهمية الاتفاق على استراتيجية بعيدة المدى وعلى تجسيد وحدة و جدانية لشعوب القارة ، ليصبح مفهوم الوحدة أعمق وأشمل من النظام الإقليمي العائم الآن وعبد الله واد (المولود في 1926) الذي كان قائدا للمعارضة لفترة طويلة ، و قد تم سجنه و نفيه و قتها، هو الرئيس الثالث (و الحالي) للسنغال منذ استقلالها ،وكان قد حصل على شهادته الجامعية من فرنسا ، درس الرياضيات وعلم النفس وعلم الاجتماع والمحاماة و الاقتصاد ، و يفخر أنه بين أقرانه من رؤساء قارة أفريقيا يحمل أكبر عدد من الشهادات الجامعية ، دخل السجن ، وتعرض إلى الاختطاف وشنت الحملات على سمعته المالية ونفى إلى فرنسا ، وأكسبه النفي مصداقية لدى أنصاره من السنغاليين الذين يثمنون كفاحا سياسيا بدأه عبد الله واد منذ أن كان طالبا بفرنسا ، مرورا بتأسيس الحزب الديمقراطي السنغالي عام 1974 ميلادية ·
يقول عبد الله واد ' لم أكن أتخيل أبداً أن أوضع في غرفة و يتم حبسي ، و لكن حسنا لقد حدث ذلك ، في أول يومين يكون لديك الكثير من الخوف ، ولكنك بعد ذلك تتعود ، في هذا الوقت تبدأ في تقدير الحرية عندما تكون محروما منها وتمت محاكمتي وأطلق سراحي مبرأ من قبل المحكمة ،وفي المرة الثانية وفع الشيء نفسه و قضيت ثلاثة شهور في السجن ، و في المرة الثالثة قضيت خمسة شهور ' ·
وواد ، سياسي عتيق و رجل قانون مثقف ، تربطه علاقات وطيدة مع المؤسسات القانونية الدولية ، وعدا تدريسه للقانون ، فقد عمل باحثا اقتصاديا في جامعة بوسطن الأميركية ، و أستاذا مساعدا في كلية الحقوق والاقتصاد بجامعة باريس الثانية ، كما عمل رئيسا لفريق خبراء منظمة الوحدة الأفريقية وبنك الإنماء الأفريقي في المفاوضات الرامية إلى تمويل التعاون وانماء داخل البلدان الأفريقية· و عبد الله واد يرى أن العولمة قد ساعدت على تنامي وعي الكثيرين بهويتهم العرفية و الدينية ، وأن سوء الفهم بين العالم الإسلامي و الغرب المسيحي قد أوجد حاجة ملحة لأن ينظم الطرفان حوارا يساعد على التعرف إلى القيم المشتركة في الديانتين · كما يعتبر العولمة هى الاتجاه الحتمي الذي يتجه نحو العالم ولا يستثنى أحداً ، وأنها ستدخل البيوت عبر التليفزيون والكمبيوتر ، الأمر الذي يتطلب الاستعداد الجيد لخوض غمار العولمة و مجابهة التحديات التي تحملها واستثمار الفرص التي تطرحها ·
و يشير عبد الله واد إلى أن نصيب أفريقيا من الاستثمار ات العالمية يقدر بواحد في المئة فقط و يبلغ معدل النمو فيها بواحد في المئة أيضاً وهي أرقام ليست مرضية بالإضافة إلى مشاكل القارة الأخرى المتمثلة في مخلفات العبودية والاستعمار والمرض والمجاعات و الديون التي تثقل كاهل الميزانيات ، وتحد من وتيرة النمو الاقتصادي
و يقترح في ديسمبر المقبل موعداً لعقد مؤتمر دولي في العاصمة السنغالية داكار للحوار الإسلامي المسيحي يكون هدفه الأساسي تعميق التفاهم والتعارف بين أتباع الديانتين وتعزيز التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحين والإعلاء من شأن الحوار بين الحضارات و الثقافات المختلفة ، مع العلم أن السيدة الأولى ( (Vivianate في السنغال كاثوليكية على المذهب الروماني ،أما الرئيس فهو مسلم ·