القاهرة ـ أحمد الجندي:
الكثيرون يعرفون أحمد عُرابي قائد الثورة العرابية في مصر لانه الزعيم الأكثر تواجدا في تاريخ مصر الحديث لكن القليلين يعرفون عبدالله النديم او يعرفونه فقط على انه خطيب الثورة العُرابية· لكن النديم كان مناضلا ومفكرا وثائرا من أبرز رجال مصر في القرن التاسع عشر وعاش منفيا ومطاردا من السلطات والاحتلال الانجليزي· ولمعرفة قيمة وأهمية عبدالله النديم ومجلة 'الاستاذ' التي تعد من أهم واشهر انجازاته كانت الندوة التي نظمتها هيئة الكتاب بالقاهرة حول النديم ومجلته·
وقال د·أحمد شمس الدين الحجاجي -أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة- إن الكثيرين يعرفون عبدالله النديم على انه فقط خطيب الثورة العرابية وهذا اجحاف والتاريخ المصري لم يعط النديم ما يستحقه من مكانة فهو من أهم الرجال في التاريخ المصري في القرن التاسع عشر واسمه وحده يعد دراما إنسانية كبيرة فهذا الرجل منذ ان شب عن الطوق وهو ثائر ومتمرد ومناضل اندمج وعاش كل مشاكل وطنه وحارب الاستبداد والاستعمار بكل الصور والوسائل وبكل ما أوتي من قوة وكان طبيعيا ان يعيش حياته منفيا ومطاردا من السلطة والاستعمار·
واضاف إن رحلة النديم حفلت بالعديد من المطبوعات التي اصدرها والكتب التي كتبها والتي جاءت جميعها لتناهض الوضع القائم في مصر وتندد بالاستعمار والاحتلال، ومجلة 'الاستاذ' تعد في مقدمة المطبوعات التي اصدرها النديم وليس هناك باحث في التاريخ أو في الادب والصحافة الا وامتدت يده إلى الاعداد القليلة المتيسرة من هذه الصحيفة التي تعد من أهم الصحف في النصف الأخير من القرن الـ·19
وأوضح ان 'الاستاذ' هي المطبوعة الثالثة للنديم بعد 'التنكيت و'التبكيت' التي كتب فيها كبار رجالات مصر من سياسيين ومفكرين ومناضلين أثناء فترة التحضير للثورة العرابية وكانت تصدر اسبوعية· وللجرأة الشديدة التي كانت عليها موضوعاتها ومقالاتها تمت مصادرتها وحجبها عن الصدور فما كان من النديم إلا ان تحايل واصدرها في صورة جديدة حملت اسم 'اللطائف' وأصبحت تصدر بشكل يومي وحاول العديد من الباحثين تجميع اعداد من هذه الصحيفة لكن كل المحاولات فشلت فحتى الآن لا توجد نسخ منها·
رأي عام
وقال: في صحيفة 'الاستاذ' حاول النديم تكوين رأي عام مصري من خلال مقالات تحريضية اخذ يكتبها وينشرها تباعا ليمهد للثورة على الاحتلال ومقاومة الظلم الذي يتعرض له المصريون واستكتب فيها كل الاصوات المناضلة التي كانت موجودة على الساحة في نهايات القرن التاسع عشر واثارت هذه الكتابات التحريضية غضب السلطة لأنها مهدت لثورة عُرابي عام 1881وحولت الشعب المصري من اجواء الخمول إلى أجواء الثورة لذلك كان طبيعيا ان تصدر الفرمانات بالقبض على النديم لكنه هرب واختفى عشر سنوات كاملة·
ويرى د· عبدالمنعم الجميعي -أستاذ الادب العربي بجامعة القاهرة- ان عبدالله النديم من المناضلين والمفكرين الذين لم ترهبهم كل الإجراءات التي كانت تتخذها السلطة من ابعاد وسجن ونفي فبعد ان خرج من السجن الذي وضعه فيه الخديو توفيق بدأ يمارس نشاطه النضالي مرة أخرى ويدعو الشعب المصري إلى الثورة من خلال مقالاته ومنشوراته وخطبه التي كان يلقيها في كل مكان في مصر· فما كان من الخديو توفيق الا ان نفاه إلى يافا في فلسطين وهناك كتب كتابه الشهير 'كان ويكون' وارسله إلى مصر وتداوله الناس وكان بالكتاب تحريض واضح على المقاومة والثورة والنضال ضد الاحتلال الانجليزي ونظام الحكم في مصر وبعد وفاة الخديو توفيق عام 1892 عاد النديم إلى مصر ورأى ان الاحتلال الانجليزي امر واقعي فالتقى بالشاب الوطني مصطفى كامل الذي رأي فيه نموذج الثورة والقيادة فأزكى فيه كل مشاعر التحرر والحس الوطني بل ان مصطفى كامل عندما انشأ صحيفة 'اللواء' قال: لقد وضعت فيها الكثير من افكار عبدالله النديم الذي عاد في ذلك الوقت ليصدر من جديد صحيفة 'الاستاذ' وزاد عدد صفحاتها وكسا مقالاتها بالجرأة الشديدة التي تهدف إلى المقاومة والثورة على الاحتلال· ونادى من خلالها بضرورة الاخذ بالتعليم والمعرفة والاحتماء بالثقافة والفكر لكي لا يتعامل معنا الاستعمار على اننا شعوب لا تعرف العلم·
وأشار د· الجميعي الى موقف النديم من اللورد كرومر قائلا: عندما عمل كرومر على اشعال الفتنة بين الاقباط والمسلمين من أبناء مصر كان النديم أول من تصدى له وكون العديد من الجمعيات التي ضمت رموز الدين الإسلامي والمسيحي وكبار المفكرين والمثقفين من مسلمين واقباط وبدأ هؤلاء جميعا تحت قيادة النديم بث روح الوحدة بين أبناء الشعب المصري حتى يقاوم الفتنة التي حاول ان يشعلها كرومر رأس المستعمر الانجليزي وكان طبيعيا ان يثير هذا الموقف غضب كرومر وكان القرار بنفي النديم مرة اخرى إلى يافا من أجل ابعاده عن مصر بسبب روح المقاومة والنضال التي يبثها في المصريين· وفي يافا يهاجم النديم السلطان العثماني فيتم طرده ويذهب إلى الاستانة وهناك يلتقي مع جمال الدين الأفغاني لتبدأ رحلة اخرى من الكفاح والنضال فكتب كتابه الشهير 'المسامير' الذي رد فيه على ما قاله وكتبه أبوالهدى الصيادي الذي كان يهاجم مصر بشدة وبسبب هذا الكتاب الذي كان فيه هجوم شديد على الباب العالي والسلطة العثمانية يتم ايداع النديم السجن لكنه كان لا يزال متمسكا بالمقاومة حيث كان يهرب مقالاته التحريضية من السجن لتنشر في 'اللواء و'الاستاذ' أهم صحيفتين في مصر آنذاك ·
خلاصة الفكر
اما د· حنا جرجس -استاذ الأدب المقارن وعضو مجمع اللغة العربية- فيقول: أرى ان صحيفة 'الاستاذ' هي خلاصة ما أنتجه النديم في حياته فقد وضع فيها الكثير من رؤيته وفلسفته فيما يعنيه بالوطن والمقاومة والحياة الوطنية وكتب فيها العديد من المقالات التي أوضح فيها مفهوم الوطن والمواطنة وما هية الاستعمار وحق الشعوب في المقاومة والدفاع المشروع عن وجودها وأوطانها· كما أوضح معنى الثورة والكفاح السلمي والكفاح المسلح وقدم استنارة فكرية وثورية هائلة اثرت كثيرا في الشعب المصري والحركة الوطنية وقتها·
وقال ان الحياة الوطنية عند النديم لها ثلاثة عناصر هي: تحسين الحياة المعيشية واطلاق الحريات الخاصة ووسائل التعبير والنشر وحفظ الوحدة الوطنية·· وفي العنصر الأول كان يؤكد أهمية ان ينال ابناء الشعب حياة كريمة في أوطانهم ولا تتم اهانتهم ولا يتعرضون لأي ظلم من أي طرف سواء من السلطة الحاكمة أو من الاستعمار الذي يجب ان يرحل ولا يكون له وجود في أرض ليست ملكا له·· وفي الثاني كان النديم يرى انه لا حياة كريمة دون حرية فالمواطن لن يشعر بكرامته الا عندما يكون حرا في كيانه وإنسانيته وعقيدته وافكاره وكان يركز على ضرورة حرية الفكر التي تزكيها حرية التعبير والنشر أما ثالث العناصر فكان النديم يرى ان مصر منذ آلاف السنين أمة واحدة لا يفصلها دين أو عرق أو لون وهذا سر قوة وصمود مصر على امتداد التاريخ وان أي تفريق بين الشعب المصري على أساس ديني هدفه الوحيد اضعاف هذه الأمة والنيل من قوتها وتماسكها·
واضاف بأن النديم كان يرى ان الجماعة الوطنية لا يجب ان تقوم على أساس عرقي أو ديني فهي ليست اقباطا فقط أو مسلمين فقط بل هي مزيج من كل المصريين· بل قارن بين المسلمين والاقليات الدينية الاخرى كالمسيحية واليهودية من خلال ما فعله الاسلام وما فعله الآخرون بالاسلام والمسلمين· وكان يدرك من خلال وعي كامل متفتح ورؤية فكرية عميقة الخصوصيات الثقافية للاقباط وان القبطي شريك حقيقي في الوطن· وجاء هذا واضحا من خلال مقالات للنديم على هيئة حوارات على لسان أشخاص وهميين كان ينشرها في 'الاستاذ'·
وقال د· محمد الجوادي -عضو مجمع اللغة العربية- ان عبدالله النديم كان معروفا عند العامة والخاصة بأنه خطيب الثورة العرابية· والذي لا يعرفه الكثيرون انه قدم رؤى نقدية لهذه الثورة بعد مضي بضع سنوات عليها واعتبر هذه الرؤى مراجعة فكرية لما هي الثورة وما هو الوطن وكيف تكون المقاومة والنضال· وكانت له اهتمامات بالرؤية النقدية المقارنة لماذا تأخرنا ولماذا تقدموا؟ وكان هذا السؤال هو مدخل عبدالله النديم لمقالات فكرية مقارنة نشرها بهدف بداية حركة الاستنارة في المجتمع المصري·
واضاف: ان النديم طرح ايضا سؤالا في غاية الأهمية وهو من هم المصريون؟ واجاب على السؤال من خلال مقالات عدة نستخلص منها الاجابة حيث قال· هم كل مواطن يقيم على أرض مصر من الاتراك والشراكسة وغيرهم من أبناء البلدان الأخرى الذين تركوا وطنهم وديارهم واستقروا هنا حتى نسوا مكانهم الأصلي·
وقال الجوادي ان الأيديولوجية عند النديم لا تحدد المواطن لكن الواقع هو الذي يقول من الذي يعيش في الوطن فالمصري هو الذي ترك كل انتماءاته واندمج مع المصريين، وعاش في بلادهم وعلى أرضهم وشرب من نيلهم وتعاطى عاداتهم وأدمن تقاليدهم ونطق بلسانهم ونضح بفكرهم وتعمق في فلسفتهم فتشكلت حياته وفق معطيات هذا الوطن الذي يعيش فيه·