محمد الحرز
الطبيعة المشتركة بين ما هو سياسي وما هو ثقافي هي السلطة على تباين تأثيرها في كلا المجالين
لا يمكن النظر إلى الثقافة بمعزل عن السياسة. هذا هو الميل العام الذي يخرج به المرء حين يجول بنظره في تاريخ ثقافة واجتماع كافة الشعوب المختلفة، لكن بأي معنى تكون هذه الثقافة؟ وبأي معنى أيضا تكون السياسة؟ وما العلاقة التي تنهض بينهما باعتبارها ضرورة لا تنفصل فيها أحدهما عن الأخرى، لا على مستوى النظر أو التحليل أو التطبيق العملي؟
أظن ولا أجزم بذلك أن الكيفية التي نطرح بها الأسئلة حول تلك العلاقة، هي التي تحدد تصوراتنا عن المعنى الذي نعطيه للثقافة والسياسة معاً، فمثلا في المشهد الثقافي السعودي هناك تصورات عديدة للثقافة ترتبط أساسا بنمط من العيش عند فئة من الناس، قد تكون قبائل أو عشائر أو طوائف، قد تكون قرى أو مدن. وهكذا باتساع المشهد تتسع التصورات، وأقرب ما تكون هذه التصورات من حيث انتمائها المعرفي إلى الحقل الانثروبولوجي للثقافة، لكن بإزاء هذه التصورات هناك تصور للثقافة يتعلق أساسا بالمؤسسات الرسمية للدولة ليس فقط ما يتصل منها بوزارة الثقافة والإعلام، إنما يتجاوزها إلى بقية المؤسسات على اعتبار أن العقيدة الإيديولوجية للدولة هي الرابط الذي يشد حركة تلك المؤسسات، ويجعلها بالتالي في تناغم وانسجام مع تلك الأيديولوجيا.
خيط السلطة
نحن نعلم تماما أن كل أيديولوجيا للدولة تتشكل عناصرها من ثقافة المجتمع وتاريخه، سواء كان منها الروحي أو الديني أو الأدبي، لكن ما يميز تلك التصورات عن تلك هي طبيعة السلطة الكامنة خلف كل واحدة منها، فهناك سلطة المؤسسات إزاء سلطة المجتمع. الأولى تغلب عليها القوة المادية، بينما الأخرى تغلب عليها القوة المعنوية (أي سلطة التربية والعادات والتقاليد.. ألخ). بالنهاية كلا التصورين يمثلان سلطة تحكم سلوك الفرد داخل المؤسسة أو خارجها. وإذا ما أدركنا من جانب آخر أن الطبيعة المشتركة بين ما هو سياسي (باعتبار المؤسسات جزءا من خطاب الدولة السياسي) وما هو ثقافي هي السلطة، على تباين تأثيرها في كلا المجالين، نكون قد أمسكنا بالخيط الرابط بينهما. يبقى فقط أن نؤكد أن خلاصة ما نريد الحديث عنه هنا، يتمثل في التالي:
أولاً- هناك الكثير من المفكرين من يرى أن الثقافة دائما ما تخضع للتوظيف السياسي، وهذا أمر متفق عليه بحكم دراسة التجارب التاريخية للدول والمجتمعات، ولا نعني هنا بالتوظيف العقيدة الإيديولوجية للدولة كما أشرنا سابقا، بل ما نعنيه تحديدا هو ما يمكن أن نصطلح عليه بـ (التلاعب الثقافي) وهو إحدى آليات السيطرة على التوجه العام، وهو مصطلح يقترب من مفهوم غرامشي عن فكرة الهيمنة الذي أثر على الدراسات الثقافية لاحقا، لكني لا أعنيه تحديدا لأني أنظر إلى مضمون ما يتم السيطرة عليه، ومن ثم التركيز عليه وعلى تأثيراته ليس من باب التلاعب السلبي أو الإيجابي، بل من باب الكشف عن قيمه المؤثرة على نظام التفكير، ولأني لا أنظر أيضا إلى الوسائل المستخدمة فقط، وإن كانت هذه الأخيرة لا يمكن عزلها عن المضمون. مثال: تيار الصحوة في الثمانينيات كان يمارس السياسة بامتياز من خلال الاستثمار الواسع للهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة، بل إنه وضع نفسه موضع المؤسسة ذاتها دون تمايز أو انفصال.
وعلى الرغم من أن الهدف والغاية المعلنان في خطابه هو هدي الناس إلى التمسك بالإسلام الصحيح والابتعاد عن كل ما يحجب مثل هذا التمسك، وعلى الرغم أيضا من الأدبيات الدينية الموروثة التي يتغذى عليه خطابهم الصحوي، بيد أن الرافعة (الوسائل المستخدمة) التي من خلالها يقدمون خطابهم، تقع تحديدا في المجال السياسي، وبالتالي السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما الأثر الذي تتركه الوسائل على مضمون الخطاب في حال التلقي؟ والعكس أيضا: ما الأثر الذي يتركه مضمون الخطاب في حال التلقي على تلك الوسائل؟ حالة الاشتباك بينهما، وتغليب سلطة أحدهما على الأخرى في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يصير العكس، وفق الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية، هو الوصف الذي نرتئيه لحالة التلاعب تلك حيث يكتمل هذا التلاعب من جهتين: الأولى حين يظن الكثير من أتباع هذا التيار على سبيل المثال أن الاستثمار المثمر في المجال السياسي قد أتى أكله، وخلق نوعاً من الهيمنة والسيطرة الثقافية. وهذا هو الاستيهام بعينه إذ تولد في أذهانهم عبر التواطؤ الضمني بين المجال السياسي من جهة، والمجال الثقافي من جهة أخرى. صحيح أن حالة الهيمنة كانت واضحة للعيان. لكن ما هو صحيح أيضا أن التأثير الثقافي على المتلقي لا يقاس بعقد من الزمن، بل الثقافة في نهاية الأمر لها كلمتها التي تفرضها انطلاقا أيضا من علاقتها بالمؤسسات الثقافية باعتبارها سلطة.
أما الجهة الأخرى هو ما يتركه مثل هذا الاستيهام على مسألة تلقي القيم، فتصبح كل قيمة في خطاب هؤلاء تستمد مكانتها من حالة هذا الاستيهام الذي هو بدوره يستمد مكانته من السلطة المزدوجة للسياسي والثقافي في الوقت نفسه.
هدم الجداريات
ثانياً- وفق هذا المنظور بإمكاننا أن نموضع كل القيم التي أنتجتها خطاباتنا الثقافية المتنوعة سواء تعلق بتيار الصحوة أو الخطابات الإسلامية الأخرى أو مختلف التوجهات الفكرية الأخرى، على خط التوتر بين ما هو سياسي وما هو ثقافي بحيث تتوحد في العمق النظرة المتنوعة لتلك القيم، وقراءتها بالتالي خارج مؤثرات تلقيها الأحادي، الأمر الذي يعني بالدرجة الأولى فتح الأبواب على مصراعيها فيما يتعلق بالحقول المعرفية التي يمكن الاستفادة منها في دراسة تلك القيم، حيث الانفتاح يعزز تنوع النظرة، ويغنيها من العمق، ولا تظل رؤيتنا ومن حلولنا المعتمدة عليها محصورة في نظرة ضيقة كما هو عليه الحال حين تحلل الخطابات السياسية بمعزل عن سلطة اللغة من منظور اللسانيات أو من منظور الفيلولوجيا، وهكذا مع بقية الظواهر. ويمكن توسيع هذا المنظور ليشمل ثقافة مجتمعات أخرى في علاقتها بالسلطة الإيديولوجية لدولها، المهم هو أننا لا نقف عند حدود النظام الثنائي في التفكير، ولا نعزل الظواهر الإشكالية في ثقافتنا وسياستنا العربية عن بعضها بعضاً، فمنطق الحرب الدائرة في عالمنا العربي يدعونا بالضرورة إلى هدم منطق الجداريات القائمة في الواقع كما في الفكر منذ أن وعى الإنسان العربي أن لا حيلة له أمام تخلفه إزاء الآخر.
ثالثاً- يلاحظ القارئ العزيز أننا لم نحصر السياسة بهرم السلطة أو صاحب القرار السياسي، بل السياسة باعتبارها سلطة أنظمة وقوانين وتشريعات ومؤسسات، بغض النظر عن طبيعة هذه القوانين والأنظمة.
أعتقد أنني أحتاج إلى الأمثلة التطبيقية المتنوعة لتبيان ما أحاول أن أقترحه من تحليل ثقافي، يرتكز بالأساس على عناصر مختلفة غير مؤتلفة، وعلى نظرة تركيبية وليست أحادية، لكن في مقالة أخرى.
قريباً من غرامشي
التلاعب الثقافي هو إحدى آليات السيطرة على التوجه العام، وهو مصطلح يقترب من مفهوم غرامشي عن فكرة الهيمنة الذي أثر على الدراسات الثقافية لاحقاً، لكني لا أعنيه تحديداً لأني أنظر إلى مضمون ما يتم السيطرة عليه، ومن ثم التركيز عليه وعلى تأثيراته ليس من باب التلاعب السلبي أو الإيجابي، بل من باب الكشف عن قيمه المؤثرة على نظام التفكير، ولأني لا أنظر أيضاً إلى الوسائل المستخدمة فقط، وإن كانت هذه الأخيرة لا يمكن عزلها عن المضمون.