على مدار أيام شهر رمضان المبارك سوف نطل عليكم من خلال هذه الزاوية بعرض مختصر لعدد من الكتب في التراث والأدب والتاريخ وأدب الرحلات لتكون استراحة قصيرة، تروي شيئاً من شغف المعرفة في ساعات هذا الشهر الفضيل. ونتناول اليوم:
محمد نجيم (الرباط)- لقد نُظر للضحك والفكاهة والمُضحك في الثقافة العربية باعتبارها من الموضوعات التي لا تستحق البحث، فأُهملت كما أُهمل البحث في اللعب والعاميات والثقافة الشعبية، ولم يُعترف بها حقلا مشروعا للبحث العلمي كما هو الحال في الغرب. كتاب الدكتور أحمد شايب يحاول في كتابه « أبحاث في الضحك والمضحك» الصادر عن دار أبي رقراق في العصمة المغربية، الرباط، أن يسد فراغا مُهولا تعاني منه المكتبة العربية في هذا الشأن، فالمُضحك برأي الباحث «عامل مهم لفهم محيطنا السوسيو ثقافي، ولفهم أنفسنا باعتبارنا جزءاً من هذا المحيط. ومشروعية البحث في هذا المجال لا تتأسس على مستوى توحيد جهود الباحثين الأكاديميين فحسب، بل يجب تضافر هذه الجهود على المستوى التنظيمي والمؤسساتي مع جهود منتجي الفكاهة من كُتّاب وصحفيين وممثلين كوميديين ومهرجين وناشرين مختصين»، ومن خلال هذا المنطلق يأخذنا الدكتور والباحث المغربي المهتم بتحليل الخطاب والأنثروبولوجيا الثقافية أحمد شايب لنكتشف من خلال مؤلفه القيم والطريف «أبحاث في الضحك والمضحك»، الذي يغوص بنا في رحلة شيقة تأخذنا إلى أعماق بحر الضحك والمضحك، فالضحك برأيه هو الحد الأكبر الذي يجمع الكثير من المفاهيم والمصطلحات الفرعية، كما أنه من جهة أخرى هو النتيجة أو الاستجابة التي تثيرها العديد من البواعث والحوافز، ولعل التداخل بين الضحك باعتباره نتيجة والمُضحكات باعتبارها مُثيرات وحوافز.
ويرى المؤلف أن بعض الدارسين العرب فطنو إلى هذا الفيض من المُصطلحات التي يمكن أن تدخل ضمن دائرة الضحك، وإن لم يجتهدوا في البحث عن خلفيات هذا التداخل. فدلالة الفكاهة تتسع عند بعضهم لتشمل الهزل والمزج والدعابة والنكتة والنادرة والظرف والسخرية والتهكم والهجاء والتورية وكل ما يثير الضحك أو له علاقة بالضحك.
ولعل الثقافة الإنسانية لم تعرف ثنائية ملتبسة ومثيرة للجدل والنقاش كثنائية الجد والهزل، إلى جانب ثنائيات أخرى تتقاطع معها، كالضحك والبكاء، والمأساة والملهاة. ذلك أن أعظم المفكرين في التاريخ خصصوا أبحاثاً لهذه الإشكالية، أو أشاروا لها عرضا خلال أعمالهم الفكرية والفلسفية، بدءا من سقراط وأفلاطون وأرسطو… وانتهاء في العصور الحديثة بداروين وسبينسر، وسيكموند فرويد، وهينري بركسون، وأبحاث كثير من اللسانيين والتداوليين والانثروبولوجيين، وهؤلاء الباحثون على ما عرفوا به من عمق فلسفي في كتاباتهم ورصانة معرفية، لم يحسموا في شأن الضحك والهزل كأحد تفريعاته، ولم يخلفوا لنا تعريفا جامعا مانعاً يحيط بهذه الظاهرة من جميع جوانبها.
ملهاة ومأساة
في بحث عميق من أبحاث الكتاب يصف الدكتور أحمد شايب الحياة بكونها ملهاة بالنسبة للذين يفكرون ويتأملون، ومأساة بالنسبة للذين يحسون ويشعرون، سواء أكانت هذه الحكمة المأثورة صادقة أم غير صادقة فإنها تحمل بين طياتها اعتقاد قديما واسع الانتشار بأهمية الضحك والفكاهة بالنسبة للإنسان، كما أنها تعرف الفكاهة باعتبارها نشاطاً عقلياً والتراجيديا باعتبارها نشاطاً عاطفياً، فمنشأ الدموع القلب، ومصدر الضحك العقل، مشيراً إلى أن هنري بركسون فطن إلى زئبقية الضحك وتعاليه عن أي حصر أو تحديد وتعريف حين تساءل «علام يدل الضحك؟ وما هو جوهر المضحك؟ ما هو العنصر المشترك بين كشرة من مهرج، ونكتة في لفظ، ولبسة في مهزلة، ومشهد لطيف في ملهاة؟ أي تقطير ينتهي بنا إلى تلك الخلاصة الواحدة التي تستمد منها هذه المركبات المختلفة رائحتها القوية أو عبقها الناعم؟ لقد انقض أعاظم المفكرين، منذ أرسطو، على هذه المسألة الصغيرة التي تنسل من قصبة الكف، فتتملص وتهرب، ثم تنتصب من جديد، تحديا وقحاً للتأمل الفلسفي».
كما يسلط الباحث الضوء على الضحك عند النساء حيث يؤكد على أن الاهتمام بضحك النساء وهزلهن بدأ منذ سنوات الستين من القرن الماضي، وبلغ أوجه في سنوات السبعين، وواكب البحوث العلمية حول الثقافة النسوية والتيارات الإديولوجية الداعية إلى دعم تحرر المرأة التي شكلت الخلفية النظرية لتلك البحوث.
ولقد لفت هذا البحث نظر الأنثروبولوجيين والإنثوغرافيين أولا، وتلقفه فيما بعد علماء النفس والباحثون في علم اللغة الاجتماعي، وعلماء الاجتماع، وخصوه بمقالات وأبحاث علمية كثيرة، اعتمدت في عمومها على البحث التجريبي المخبري، والملاحظة الميدانية، وقد أنجزت معظم هذه البحوث حول عينات من النساء تنتمي إلى المجتمعات البدائية أو ما قبل الصناعية، وبعضها الآخر اهتم بعينات أخذت من المجتمعات الصناعية الحديثة، فدرس ضحك النساء في حرم الجامعات، وبين العمال في المصانع والمعامل والمتاجر الكبيرة، والمطابع، وفي أجنحة المستشفيات بين المرضى.
الضحك عند المهاجرين
ويؤكد المؤلف أن الفكاهة في مجتمع الهجرة بين المجموعات الإثنية المختلفة هي نتيجة لاصطدام ثقافي متحكم فيه، إنها تلغي الحدود بين هذه المجموعات الإثنية وتخفف من وطأة الأفكار القبلية والمسبقة التي تكونها مجموعة عن أخرى، وتؤسس لفضاء مشترك لهوية جديدة سمتها الاختلاف والتعدد، معتبرا الفكاهة والضحك في عالم المهاجرين بمثابة مخفف لوطأة الهجرة « فعندما نضحك جميعا من مآسينا ومشاكلنا والأفكار النمطية stéréotypes التي تلصق بنا، فإننا نمد جسورا نحو الآخر، وندعوه للحوار والتأمل، نتفاعل معه عن طريق الضحك، إن ضحك الذات والآخر، ضحكنا وضحكهم، وهي من النكت التي تستند إلى الأفكار النمطية يحدث تفاعلا إيجابيا بيننا وبينهم يجعلنا نتفطن إلى أنهم يعيشون المشاكل نفسها، ويضحكون من الأشياء نفسها التي تضحكنا وتؤرق مضجعنا، كما أنهم يتألمون من الأشياء نفسها. انهم باختصار يشبهوننا، هكذا يصبح البعيد فجأة قريبا، والغريب المهاجر صديقا حميما بفضل هذا الضحك المشترك.
ويرى المؤلف أن إشكالية الهجرة تثير لدى المجتمع المستقبِل مجموعة من المخاوف، كالشعور بانعدام الأمن، والخوف من الأجنبي، والعنف، والاعتقاد بغزو الآخر واجتياحه، فإن التنكيت والتندر حول هذا الآخر هو بمثابة صمام أمان. إن الفكاهة تعمل على لحم المجتمع بمكوناته الإثنية المتعددة وتؤسس لفضاء للتنفيس، إنها تقرب المسافات بين الهويات وتخلق فضاء مشتركا لهوية جديدة. معتبرا التصادم الثقافي الذي تشف عنه النكت حول المهاجرين والفكاهة المُتمحورة حولهم يساهم في إرساء مناخ مطمئن ومُوحٍ بالأمان للطرفين معا، إن الضحك من تصرفات الآخرين هو قبولهم واستقبالهم، إنه اكتشاف للآخر الذي يقبع داخلنا. الضحك مع الآخر هو خلق لفضاء وزمان مشتركين للتحرر ولو لزمن قصير من الأفكار المسبقة التي ألصقها الآخر بنا.
هكذا فالفكاهة، حسب المؤلف، هي عبارة عن «تطهير»، فهي تساهم في التخفيف من الخوف من الآخر ومن الشعور بانعدام الأمن. كما تزيل التهويل عن الأشياء بالكشف عنها والضحك المشترك منها. إنها تطهير وتنويم مغناطيسي جماعي تنخرط فيه الأنا المهاجرة والآخر المُستقبِل.
الكتاب: «أبحاث في الضحك والمضحك»
المؤلف: أحمد شايب
عدد الصفحات: 173 من الحجم المتوسط.