السبت 1 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

المؤتلف الروحي في الأديان الإبراهيمية

المؤتلف الروحي في الأديان الإبراهيمية
6 فبراير 2020 00:03

ساهمت ظاهرة العولمة مساهمةً فعّالة في تنبّه الأديان الإبراهيمية مجدَّداً إلى قدرها الجامع، المتلخِّص في العمل معاً من أجل ترسيخ كرامة الإنسان وقدسيّته، وإعمار الكون وما يقتضيه من درءٍ للمفسدة وجلبٍ للمصلحة، فبعد أن صارت حدود الجغرافيا التقليديّة للأديان واطئةً، أملى الوضع الجديد مراجَعات وإعادة نظر في أشكال الانعزال المعهودة، المتعلّلة بالحفاظ على المجال الروحيّ، وبمنأى عن التربّص بالآخر، تحت مختلف المسمّيات، لم يعد معنى للاستراتيجيات التقليدية المتوثِّبة للاكتساح العَقَديّ، فقد أمْلَت أشكال التداخل والتجاور والتساكن، المميِّزة لمجتمعاتنا، التعاطي مع الوضع الجديد على أساس الشَراكَة في الأوطان والتعدّد في الأديان.

الأديان والعوْلمة
فالأديان الثلاثة تبدو مقبِلةً على مواسم تفوق قدراتها الهرمنوطيقية (التأويلية) التقليدية، وما عادت المدوَّنات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلّها، كما أنّ هناك قضايا تواجِه تلك الأديان تتخطّى إمكانيات الدين الواحد، وتتطلّب تضافر جهود الجميع، مثل إشكاليات البيئة والمناخ والفاقة والمديونية والأميّة، وغيرها من المشاكل العويصة، فالعالم اليوم يتغيّر من تحت أقدام الأديان الثلاثة بوتيرة متسارعة، لكن ضمن هذا المستجدّ الحاصل جرّاء العولمة، ينبغي ألا نغفل أنّ ذلك التقارب مدعاة لإفراز ثلاثة أوضاع متبايِنة: في مستوى أوّل نقف على ظاهرة الاستبعاد للآخر، حيث يُصرّ الدين السائد على احتكار المكان رؤيويّاً ومؤسّساتيّاً، فيضيّق الخناق على الوافد والمنافِس؛ وفي مستوى ثان يَقبَل الدينُ الغالب الاعترافَ بذلك الآخر القادِم بشروط يمليها عليه، وذلك ضمن إطار يحدّده ويضبطه، وهو قبول مشروط؛ وفي مستوى ثالث، يقرّ الدين السّائد والشّائع بالاعتراف التامّ بالتعدّدية، وبتساوي الفرص، داخل الفضاء الاجتماعي لذلك المغاير الديني، وهو خيار لا زال في حاجة إلى تطوير وتشجيع، وإن بدأ يشقّ طريقه ببطء.
لقد بات من الماضي ذلك التزاوج، إلى حدّ التماهي، بين الأديان الإبراهيمية والمكوَّنات الإثنية، وِفق ما أطلق عليه الباحثان الأميركيان فيليب هاموند وكِيي وارنر «الأديان العرقية» (ethnic religions)، القائم على المزج بين البُعد الدينيّ وحس التمسّك بخاصيات مميّزة لجماعة بشرية (اللغة، ولون البشرة، والأصل التاريخي، وما شابه ذلك)، فما عادت الأديان ترضى، أو تَقْبل، بأن تكون معتَقَداً لجماعة محدَّدة من الجماعات العرقية أو لقومية بعينها، فهي منفتِحةً على البشرية جمعاء، ومخاطِبة الإنسان بمنأى عن تحدّره العرقي أو القومي، لم يحصل ذلك بين عشية وضحاها، وإنّما كان نابعاً بالأساس من إدراكٍ، كما يقول اللاهوتي الألماني السويسري هانس كونغ: «إنه لا سلام لعالم لا سلام فيه بين الأديان، ولا سلام بين الأديان من دون حوار بينها، ولا حوار بين الأديان من دون بحثٍ عميق في أصولها».
فقد لعبت عوامل كثيرة في التاريخ، القديم منه والحديث، دوراً فاعلاً في التفريق بين الأديان الإبراهيمية، ويأتي على رأس تلك العوامل العامل السياسي، فلطالما انساقت الأديان الإبراهيمية إلى صراعات ليست صراعاتها، بما يشبه التغرير، وهو ما رسّخ جفوة بين أتباعها، لعلّ أبرز تلك العمليات في التاريخ القريب انجرار المؤسّسة الدينية وراء صناّع الصراعات، في ما عُرِف بحرب البوسنة والهرسك، لقد تنبّه المؤمنون إلى أنّ عديد الصراعات تُخَاض باسم معتقداتهم، وهي أبعد عن رسالة تلك الأديان وأهدافها، فرسالة الأديان الحقيقية تتلخّص في ردّ الظلم ونشر السلم، وليس في تأجيج الحروب والنزاعات.

الدين المنفتِح
يتمثّل التحوّل الروحيّ الحاصل في الأديان الإبراهيمية في الخروج من الاستراتيجيات المنغلِقة، على الإيمان الخاص والمعتَقَد الذاتي، إلى استراتيجيات حواريّة منفتِحة، وما كان هيّناً بلوغ ذلك الوعي وارتقاء تلك المنزلة، فقد مرّ الحوار بين الأديان الإبراهيمية بمسار، امتدّ على طول القرن السالف تقريباً، مرّ فيه من العفوية إلى النضج، أي من التطفّل لاكتشاف الآخر ومعرفته إلى الذهاب للتنسيق معه على أساس قِيَم جامعة وأهداف كبرى، تُرسِّخ السلم والتآخي بين الجميع وتنبذ العنف والحيف.
استفاقت الأديان الثلاثة، بعد طول غفلة، أو ما يشبه التغاضي، على ذلك الإرث الجامع، المستنِد إلى الأبوّة الإبراهيمية: «فأجعل منك أمّة كبيرة وأباركك وأعظّم اسمك، وتكون بركة لكثيرين. وأبارك مُبارِكيك وألعن لاعِنيك، وتتبارك فيك جميع أمم الأرض» (التكوين 12: 3)، بما يختزنه ذلك الموروث من قِيَم مبثوثة في مجمل التقاليد المنتسِبة إليه: إنّه إرث التضايف والمحبّة والبِرّ. وهو ما يجد دعماً في النصوص المقدّسة للأديان الثلاثة، فقد ورد في العهد القديم: «إذا أقام في أرضكم غريب فلا تظلموه، وليكن لكم الغريب المقيم عندكم كالمواطن، تحبّه كما تحبّ نفسك، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر، فأنا الربّ» (اللاويون19: 33-34)؛ وورد في العهد الجديد أيضاً: «ولا تغفلوا عن ضيافة الغرباء، فبها أضاف بعض القدماء ملائكة دون أن يعرفوا» (الرسالة إلى العبرانيين 13: 2)؛ وجاء في القرآن الكريم: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين» (سورة الممتحنة: 8).
والشيء اللافت في الوعي الروحي الجديد في أوساط الديانات الإبراهيمية، الخروج من التعميم والاتهام لدين معيّن، أو لأتباع دين محدّد، بممارسة الظلم والحيف والإرهاب، شهدنا ذلك مع البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، حين أبى اتهام المسلمين أو الغمز في دينهم، على ما هو معتاد، بتهمة الإرهاب ووجّهَ اللّومَ إلى فئة ضالة محدَّدة، واعتبر تلك الفئة المتطرفّة موجودة في جلّ الأديان، فقد جاء في تصريح له بتاريخ 31 يوليو 2016: «لا أجاري الحديث عن العنف الإسلامي، لأني كلّما تصفّحت الجرائد الإيطالية أقرأ حديثاً عن العنف: هذا قضى على خطيبته وذاك قتل حماته... وهذا عُنْف صادر عن كاثوليك معمَّدين!... فإذا ما تطرّقتُ إلى العنف الإسلامي، ينبغي بالمثل أن أتطرّقَ إلى العنف الكاثوليكي، ليس كلّ مسلم عنيفاً، كما أن ليس كل كاثوليكي عنيفاً... أعتقد أن ثمة مجموعة صغيرة في كل دين متطرفة... وبالتالي ليس من الصواب الربط بين الإسلام والعنف»، وهو ما يعرب عن تحول نحو خُلق جديد جامع، يسير باتجاه التآلف بعيداً عن إثارة التوتّر.
ومن الجليّ أنّ ما نشهده من تحوّلٍ باتّجاه التقارب بين الأديان، نابعٌ أيضاً من عملٍ داخليٍّ حاصلٍ في كلّ دين على حدة أيضاً، فتلك المنزلة التي يحوزها المغايِر الدينيّ، كما دأب العمل على تكريسها داخل الواقع الاجتماعيّ، باتت محلّ نظر ومراجَعة، فقد شهدت الكاثوليكية، على سبيل المثال، مراجَعات مهمّة في العقود الأخيرة، ضمن ما يُعرَف بـ«لاهوت الأديان»، للخروج من ذلك المأزق اللاهوتيّ المعروف «بألا خلاص خارج الكنيسة» (extra ecclesiam nulla salus)، لتأخذ الأمور منعرَجاً صوب الإقرار بفُرص الخلاص للآخر، متأتّية من داخل مساره العَقَديّ، وإن لا زالت بعض الجيوب ترى عكس ذلك.

درْب الإيلاف
صحيح حين انطلقت الحوارات، في البدء، بين الأديان الثلاثة، بدت مرتبكة وغير ناضجة، واستندت إلى الاندفاع أكثر من استنادها إلى الوعي بالتحدّيات التي يطفح بها عالمنا، مثل الانتهاكات الصارخة لكرامة الإنسان، ومشاكل الفقر، والتوزيع غير العادل للثروة، والإضرار بالبيئة، لكنّ تلك الحوارات التي عُقِدت طيلة القرن الماضي ساهمت في ترسيخ جملة من المقرَّرات بين الأديان الثلاثة، تتمثّل تحديداً: في الإقرار بوحدة المشتَرك القِيَمي؛ والالتزام بكرامة الإنسان مَهْمَا تباينت التقاليد الدينية، والدفاع عن حقّ المؤمنين، من الدين المغاير، في ممارسة شعائرهم بحرية وعفوية.
وبفعل النضج الحاصل، استطاعت الأديان الإبراهيمية تجاوُزَ ما يفرّق بينها، مثل التمايزات العَقَدية، وانشغلت بما يمثّل تحدّياً للجميع، وهي خطوة مهمّة على طريق الائتلاف، بعد أن كان البعض يتمثّل العلاقة بين الأديان الإبراهيمية محكومةً بمنطق الهيمنة، غير أنّ ذلك المسلك في المجتمَعات التعدّدية المعاصرة بات مرفوضاً وغير مقبول، فقد حوّلت حركةُ الهجرةِ والتقاربُ بين الشعوب التعدّديةَ إلى واقع معيش، يمكن استثماره لغرض التعارُف والتعاوُن بين أفراد العائلة البشرية، ولعل المجتمعات الأكثر انتفاعاً بمزايا التعدّدية هي المجتمعات الأكثر قدرة على التأقلم مع التحولات التي يشهدها عالمنا، كما لا يكفي للسير باتجاه المؤتلف الإنساني التعويل على النوايا الحسنة التي تصدر من هنا وهناك، بشأن المشتَرك القِيَمي والإرث الروحي بين الأديان الثلاثة؛ بل يتطلّب الأمر سعياً جادّاً من أتباع تلك الأديان، لتعميق المعارف المتبادلة، وتجنّب كل ما يسيء للآخر أو يغالط الناس حوله.
ولا شكّ أنّ كل دين ذي صبغة عالمية، يملك موروثاً لا بأس به في التعامل مع الآخر والنظر إليه، يُعَدّ الأرضية والأساس للتعايش، لكن ما يُلاحَظ في ذلك الموروث، الذي يُستَلهَم منه الاحتضان والقبول للآخر، طغيان الطابع العاطفي في فهمه أكثر من تحويله إلى منظومة تشريعيّة وإلى خطّة عَمَليّة واضحة، فالغريب والشريد والجار وعابر السبيل، وأحياناً تحت عنوان المقيم والمهاجر والوافد والنزيل والدخيل، غالباً ما وجدت تلك الأصناف الرعاية من الدين المهيمِن، ولطالما وَجدت في النص المقدّس المرجعي، ما يبرّر حقوقها ككائنات ينبغي تكريمها ورعايتها الرعاية اللازمة، ليبقى المشترك الأبرز بين الجميع قائماً على التماثل والمضاهاة في الخَلق، وقد عبّر تراثنا الإسلامي عن تلك المضاهاة فيما أوجزه قول الإمام علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) في وصيته لمالك بن الأشتر: «وأشعر قلبك الرّحمة للرّعية والمحبّة لهم واللّطف بهم فإنهم صنفان: إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخَلْق».
وما أشرنا إليه آنفاً بشأن الموروث الروحي المشترَك، الموزَّع بين الأديان الثلاثة، يحتاج إلى عناية على مستوى معرفي وعلمي، بعد أن أملت الأوضاع العالمية الراهنة الحاجة إلى ذلك، إذ يقتضي ترتيب الأوضاع بين الأديان الثلاثة شجاعة وجودية ومقدرة علمية في الآن. صحيح أن محاولات برزت في السابق في هذا المسار، ولكن عازتها الأرضية العلمية، فلطالما تطارحت قضايا التقارب والحوار أطراف غير واعية بعمق المسألة، ولذلك يتطلّب التقدم في هذا المسار درايةً بسوسيولوجيا الأديان، وبمقارنة الأديان، وبأنثروبولوجيا الأديان، وبماضي الأديان، وبحاضر الأديان، وهي مباحث علمية مفتقَدة في الجامعات العربية، إنّ مجال المؤتلف بين الأديان الإبراهيمية ما عادت تكفي فيه الدراية بالعلوم التقليدية في الأديان الثلاثة، ولذلك نحن أمام ورشة كبرى لتطوير معارفنا لخوض غمار هذا التحدّي.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©