11 أغسطس 2011 22:15
على مر التاريخ تركت النساء بصمة لا تمحى على تاريخ الأزياء، وربما لهن وحدهن يعود الفضل في تحول “الملبس” من مجرد حاجة فطرية للإنسان إلى “ضرورة” اجتماعية للتأنق والتأثير على الآخرين.
البحث عن تطور أزياء النساء في العصور الإسلامية أمر محفوف بالمخاطر نظراً لندرة المواد التاريخية التي عنيت بالإشارة لأزيائهن، وأيضاً لشح ما وصل إلينا من ملابس لهن، ولا سيما في الفترات التاريخية السابقة على القرون الثلاثة الأخيرة، لكن تبقى صور المخطوطات خير معين لتوضيح طبيعة تلك الأزياء وخاصة من جهة طابعها العام الذي اعتمد”الحشمة” وإخفاء الجسد خلا الوجه والأيدي والملابس الفضفاضة، فضلاً عن تفضيل الألوان البراقة الحافلة بالرسوم وخاصة النباتية، كما تبين تلك الصور أن ملابس النساء اشتملت بشكل رئيسي على وحدات أو قطع معينة مهما اختلف شكلها وهي السروال والقميص السابغ والقفطان، إلى جانب أحزمة الوسط وأغطية للرأس من أشكال مختلفة.
إشارات
أما أولئك الذين قاموا من الناحية الفنية والتقنية بتصميم هذه الملابس وتفصيلها فثمة إشارات تاريخية إلى أن النساء شاركن الرجال في هذا المضمار وربما كان عملهن ذلك ضمن الأعمال المنزلية التقليدية لهن استكمالاً لدورهن الحيوي والتقليدي في الغزل والتطريز، بل أنهن تمتعن بريادة واضحة في هذا المجال حتى أن الخليفة الفاطمي بمصر اعتمد على النساء فقط في حياكة ملابسه واختيار أذواقها.
وكانت هناك، كما في أيامنا تلك طرز للملابس تسود في فترات بعينها “موضة” وحسب كتب المؤرخين فإن نساء البلاط في كل دولة كن المثال الذي يحتذى من قبل بقية النساء نزولاً من الطبقة الوسطى إلى الطبقات الشعبية.
وعلى الدوام كانت أزياء النساء مثاراً للجدل ليس فقط في أوساط رجال الدين، بل ولدى الحكام أيضاً فكم من مرة أثارت بعض الأزياء رفضاً قاطعاً من هؤلاء أو هؤلاء ووصل الأمر إلى حد مطاردة “المخالفات” في الطريق العام.
المماليك
ومن أطرف تلك الوقائع التاريخية ما حدث بمصر في العصر المملوكي وبالتحديد في عام 793هـ وحسب المقريزي كانت النساء في تلك الفترة قد “بالغن في سعة القمصان حتى كان يفصل القميص الواحد من اثنين وتسعين ذراعاً من “الذراع” البندقي الذي عرضه ثلاثة أذرع ونصف فتكون مساحة القميص زيادة على ثلاثة وعشرين ذراعاً” أما مصدر تلك الموضة والكلام هنا لنفس المؤرخ فكان “تشبه عوام النساء في اللبس بنساء الملوك والأعيان”.
ولما كانت البلاد تمر آنذاك بأزمة سياسية واقتصادية ارتفعت معها الدعاوى بالتزام الخلق القويم طلباً لرضاء الله عن عباده فقد شرعت السلطات المملوكية باتخاذ مجموعة من الإجراءات لتقييد حركة النساء فمنعن من الخروج إلى شاطئ النيل أو ركوب القوارب فيه بغرض النزهة ثم منعن من الخروج كعادتهن إلى المقابر في أعقاب عيد الأضحى حتى لم تر امرأة واحدة بالطريق وقتها ووصل الأمر بنائب الغيبة الأمير “كمشبغا” إلى حد إعلان النداء بألا “تلبس امرأة قميصاً واسعاً ولا تزيد على تفصيل القميص من 14 ذراعاً”. ويبدو أن نساء القاهرة ضربن بهذا النداء عرض الحائط فما كان من كمشبغا إلا أن أمر جماعة” نزلوا إلى أسواق القاهرة وشوارعها وقطعوا أكمام النساء الواسعة فامتنع النساء من يومئذ عن أن يمشين بقمصان واسعة مدة نيابة الأمير كمشبغا”، ولكن ما إن عاد السلطان فرج بن برقوق إلى الظهور بعد غيابه في أزمة سياسية حتى عادت النساء إلى ذات الموضة.
ولدينا إشارات واضحة لمسميات قطع الملابس النسائية، وكذا البعض من أمثلتها منذ نهاية القرن الحادي عشر الهجري “17م.”، ويعود الفضل في سرد المسميات إلى علماء الحملة الفرنسية التي غزت مصر والشام في عام 1213هـ / 1798م.
ووفقاً لمشاهدات علماء الحملة، فإن ملابس نساء القاهرة عند خروجهن للطريق والمعروفة باسم “التزييرة” كانت تتكون من “السبلة” وهي قميص واسع من التفتاز يغطي كل الملابس ويتدلى حتى يلامس الأرض وترتديه النساء عند خروجهن. والقطعة الثانية هي “الحبرة” وهي قطعة من قماش التفتاز الأسود توضع فوق الرأس وتغطي بها الربطة والملابس واليدين، وتخلعها المرأة عند دخولها أحد البيوت. أما آخر أجزاء “التزييرة” فهو “البرقع”، وهو غطاء الوجه ابتداء من أسفل الأنف ويتصل بربطة الرأس من الجانبين عند الجبهة، وهو من قماش الموسلين أو الكتان الأبيض الناعم ويتدلى عند الركبتين ولا غنى عنه لسيدة تريد أن تخرج من بيتها.
أما بقية القطع المألوف وجودها بدولاب أي سيدة فتشمل الربطة، وهي غطاء الرأس والعقدة، وهي من اللؤلؤ والضفائر، وهي من الحرير لإعطاء مظهر طويل للشعر والبرق، وهي قطع صغيرة من المعدن، وقد تكون من نقود ذهبية تربط بالضفائر لإعطاء صوت إيقاعي تنبيهي عند سير المرأة ثم خلخال يربط بالقدم فضلاً عن سروال داخلي ثم “اليلك”، وهو ثوب مفتوح يلبس فوق القميص وأكمامه طويلة وضيقة، وقد يحل محله لدى النساء التركيات من الطبقة العليا “الفستان” و”الجبة” وهو رداء فوق الفستان وأكمامه قصيرة جداً، وقد يضاف إليه فروه بالشتاء والحزام وأخيراً طاقية توضع فوق الرأس مباشرة ومعها “طربوش” أحمر تلف حوله “قمطة” قد ترصع بالأحجار الكريمة.
الطبقات الشعبية
أما نساء الطبقات الشعبية فلباسهن أبسط من ذلك، وهو يتكون من سروال من فوقه قميص أزرق اللون واسع جداً، وأكمامه طويلة تنزل حتى الردفين وهن في نفس الوقت محجبات، وتضفرن شعرهن على طريقة نساء الطبقة الراقية لكنهن يعلقن في أطراف هذه الضفائر أجراساً صغيرة ولا يرى من النساء عادة إلا عيونهن. وقد كانت أغطية الرؤوس بحد ذاتها من ميادين التنافس على الأناقة بين النساء، وهي في معظم أرجاء العالم الإسلامي مزودة بقطع من الذهب أو الأحجار الكريمة وهو ما يكشف بحياء عن المكانة الاجتماعية للمرأة وكذا أغطية الوجه التي تسمح برؤية العينين فقط كانت من أبرز ما يميز بين المسلمات حول العالم.
«موضة » القبعات
يظهر أن المسلمات بدءاً من القرن الثالث عشر الهجري “19م” قد تأثرن بعادة الأوروبيات في ارتداء القبعات فظهرت قبعات منخفضة تشبه القرص كانت توضع فوق الربطة، وهي من ألوان براقة وتوضع بشكل جانبي وقد اشتهرت في مصر العثمانية “كموضة” باسم “القازدغلية” نسبة لنساء أمراء القازدغلية من الأتراك، وقد حاول البكوات المماليك التصدي لهذه الموضة باعتبارها حقاً حصرياً لنساء الطبقة العليا، وتحتفظ مجموعة الشيخ فيصل بن قاسم بالدوحة بأمثلة رائعة لعدد من أغطية الرأس والوجه التي كانت تستخدم في القرنين الأخيرين بالحجاز واليمن وكذا في أفغانستان وأوزبكستان وتركمانستان.
المصدر: القاهرة