26 يناير 2012
وصولاً إلى رؤية مكتملة للحوار الذي يدور بين لوحات معرضها الفني “هنا منذ الأزل”، تستخدم التشكيلية غادة الحسن أدوات مختلفة ومتعددة، وخطابات تعبيرية متباينة ومتسلسلة تقودنا إلى قراءة هذا الأزل في أوجهه المتعددة، فهي تبدأ بهذا الوجه الذي تختفي ملامحه تقريباً حتى لكأنها تخطيط لبورتريه لم يكتمل، لكنْ سرعان ما يتشكل في تعبيرات مختلفة يصعب أن نحدد تماماً توصيفاً دقيقاً لها؛ فهي تدور بين الغموض وربما الحزن الإنساني الأصيل أو مختفية تماماً في شعور متوحد مع فكرة بدء الإنسان، حيث الانفعالات ليست ما يبدو على الملامح الممحوة بسهولة، وحيث الأسئلة هي مدار هذا الحوار في تعبيرات، كأنها تصل بنا إلى حكايات مجتزأة ومشتتة يربطها هاجس واحد.
الوجه لن يبقى مصمتاً وعائماً، بل سيكون ثنائياً في عدد من اللوحات، ثم متشظياً في أخرى بزوايا وتعبيرات وملامح مختلفة ومتناثرة، ثم قد يكون عائماً، وكأنه الإنسان في انعتاقه من كل شيء نحو المجرد الذي لا علاقة له برتابة الوجود. ومع أدوات أخرى كالكولاج أو دخول الألوان الجديدة بعدما كان اللون البني الفاتح (الرملي) هو السائد في مجريات هذا الحوار – اللوحة، ولعله التعبير الأقرب والمجدي والذي يتواءم مع المتغير والمتبدل، حيث إيقاع الحدث- إذا جاز التعبير – يوحي بأن هنالك حكايات مضمرة مجتزأة منسابة مع الأدوات الجديدة في كل مرة.
الكولاج أو الأشكال المختلفة والتعبيرات في كل لوحة بين رقعة الشطرنج التي تتوزع على الوجه ذاته أو على الوجه المبعثر في تعبير يشكل مع فكرة الأزل حكايتها، ومع الإنسان العنصر الذي يوجد في كل لوحة تنويعاته.. حتى وهي تكوّنهُ كفزاعة كاملة عُرضت في نصف صالة العرض بين اللوحات، هو الوجه نفسه الذي كان مجرداً، ولكنه يحمل قبعتين، ويقف ممدد الذراعين في حقل، لكنْ الدلالة تبقى عائمة ومتاحة لأكثر من تأويل.
الاشتغال على الكائن أو الوجه – الإنسان في العمل بأكثر من أداة وبعناصر متقاربة يصنع أحياناً فكرة الأزل، ويخلق هذا الفضاء المفتوح لهذه العوالم، وهذا ما قد يكون مرَّ على الفنانة الحسن من دون أن تلزمنا باستجلاء هذا الشعور أو تحديد مساحته أو مسافته داخل المتلقي الذي يتعامل أحيانا مع الفن كلغة غير مستقرة أساساً، ويمكن أن يتغير مضمونها داخله لمرات عدة في اللحظة الواحدة، وهذا من نافل القول.
هذا الإنسان الذي لا ندري أي حد يتوازى مع أزليته أهو الموت أم الحياة؟ العدم أم الوجود؟ أهو حالة حضور أم غياب؟ أمبعوث من جديد أم مستجد تراقب الفنانة تحولاته؟ أو أنها طاقة الإنسان اللامعلنة التي تكمن في أعماقه، ليحررها في كل مرة في أبعاده الروحية... الإنسان الذي يتقاسم، مع آخر، طائراً في لوحة، وانكساراً في لوحة أخرى، وما يشبه الحديث الخافت على الكولاج في عدد من اللوحات، وقدرة هذا الإنسان على الرؤية، وعلى التأمل، وعلى الإبصار على الرغم من انمحاء ملامحه، وقدرته من جهة أخرى على خلق حوار عميق لدى المتلقي، وإن كان متعدد الدلالات، على الرغم من توحد الفكرة الجمالية على الأقل. وبحسب فهمنا الخاص للفن الذي لا يحدد قيمة العمل وإنما يكمن دوره في التعاطي معه، ومن ثم استقراره داخلنا كعلامة أو عدمها، وهو ما يشبه أي وعاء فني آخر نصادفه أو نبحث عنه. فإن هذا العمل الموسوم بـ “هنا منذ الأزل” هو أحد الأعمال التي يتدخل فيها إحساس الفنان المجرد والخاص بالأشياء وحالته ومزاجه الذي ينقاد نحو تجربة أو مرحلة لونية حتى نهايتها وإلى حدود أفقها الرحب، وبقدر ما لدى الفنانة من تجليات يمكن إسقاطها وتوظيفها في نطاق الفكرة المأخوذة بغواية الشكل الجمالي، جنباً إلى جنب مع غواية الأفكار، وتمددها من خلال نقطة إشعال الشرارة الأولى، بقدر ما يبدو أفق العمل الفني أكثر رحابة.
عن الفنانة
غادة الحسن من مواليد بلدة سنابس شرق المملكة العربية السعودية، وتحمل بكالوريوس آداب قسم اللغة العربية. أقامت معارض عدة بدءاً من العام 2002، وكان معرضها الشخصي الأول عام 2009. حصلت على جوائز عدة، من بينها المركز الأول في مسابقة “تواصل” التشكيلية على مستوى المنطقتين الشرقية والشمالية. مثلت المملكة العربية السعودية في لندن في مزاد عالمي على هامش مسابقة الخليج للبولو 2008. شاركت في معارض عدة، منها معرض “تشكيليات سعوديات” في صالة أتيليه القاهرة 2007، ومعرض مسابقة تواصل التشكيلية في الخُبر ولندن 2008، ومعرض “مرايا الذاكرة” مع جماعة سبعة في جاليري قباب بأبوظبي 2009.