هناك من يتحدث عن هيمنة اللغة الإنجليزية على العالم اليوم، هذا صحيح من ناحية الانتشار، لكنها على مستوى الأدب، وأقصد الشعر تحديداً، لا يمكنها أن تلعب دوراً مهماً، إذ أن الشعر مرتبط بوجدان الناس وبروح لغتهم الأصلية بكل ما تحمله من جرس وإيقاعات، وأصوات، ودلالات جمالية وفنية. لكي تنتشر عالمياً عليك أن تترجم نصوصك إلى الإنجليزية وبعض اللغات الرئيسة المهيمنة. لكنك كشاعر عليك أن تحفر عميقاً في لغتك الأم وتنتج نصوصاً جديدة ومبدعة في سياقها. وأظن أن وسائل الترجمة الحديثة بالذكاء الاصطناعي سوف تسهم في انتشار الشاعر بلغات كثيرة، وربما في المستقبل يقوم الشعراء بتأليف قصائدهم بلغاتهم الأصلية ثم بضغطة زر واحدة تكون متوفرة بجميع اللغات. عند ذلك ستكون هيمنة لغة واحدة شيئاً من الماضي. وقد بدأنا نرى ذلك الآن.
كان العالم على مر التاريخ مليئاً بالصراعات والحروب والأزمات، وكان الشعر صوتاً حاضراً في جميع مراحل التاريخ، ولا يختلف الحال اليوم عن الأمس. ما يحدث هو أن الأغراض والأدوار التي كان يلعبها الشعر انتقلت لوسائل أخرى، وظن الناس أننا نعيش عصر الصورة والفيديو والهاتف مقابل تراجع الكتاب والورقة. ومع ذلك لا يمكن للبشرية أن تستغني عن الشعر لأننا أبناء اللغة ولسنا أبناء الصورة. نحن نفكر باللغة ونتحدث ونحلم ونتخيل بها ويمكن في أي لحظة أن يعود الشعر للجمهور من خلال الهاتف أو أي وسيلة أخرى، وهذا يحدث الآن. الكثير من أروع النصوص الشعرية لكبار شعرائنا في التاريخ صارت تنتج على شكل رسائل هاتفية وفيديوهات مصورة مع إلقاء جميل.
كم أحب الذكاء الاصطناعي هذا، دعه يكتب الشعر ويؤلفه ويقرأه ويلقيه لا بأس. أنا لا أخاف منه، بل أتذوق جماليات ما يكتبه إن كان عميقاً ويرتقي للذائقة الشعرية ويمنحني النص الذي أبحث عنه. الذكاء الاصطناعي يقود حياتنا اليوم ويسيّر المصانع ويقود السيارات ويجري البحوث والدراسات وينوب عن المدرسين والأطباء، والشعراء ليسوا استثناء في هذه الظاهرة، أعتقد أنه يمكن أن يكتب قصائد جميلة ومختلفة في المستقبل وبروح متدفقة أيضاً. سأعتبر ذلك إضافة معرفية وشعرية جديدة. علينا أن نطرح سؤالاً أهم هنا وهو: هل يمكننا التعايش مع هذه الظاهرة؟ نعم يجب علينا ذلك، وعلينا أن نواصل كتابة الشعر، وأن نغذي الذكاء الاصطناعي بها ليكتب نصوصاً أجمل إن استطاع.


