في أمسية جميلة ومؤثرة احتفت دائرة الثقافة بليلة في ذكرى 25 عاماً على رحيل الفنان جابر جاسم، رحمه الله، وقد فرحت مرتين؛ مرة لأن الوهج عاد للمجمع الثقافي، ذلك المنزل القديم، ومرة لأننا ما زلنا نتذكر الراحلين، ونثمن جهودهم ولو بعد حين، لأن هناك رموزاً للحركة الثقافية والفنية، والعمل الاجتماعي والسياسي، قاموا بدورهم الطليعي في فترة لم تكن بالسهلة ولا الميسرة، علينا أن نتوقف قليلاً حيال ما أبدعوا، ونتفكر كيف يمكن أن نرد لهم الجميل، ونخلد أسماءهم ومنجزاتهم، لأنها ليست ملكاً لهم، هي ملك للإمارات، وسأتطرق اليوم إلى واحد من الفنانين الأوائل، قدم فنه بطريقة مختلفة والتصق بتفاصيل أهل الدار، وعبر عن هواجسهم وفرحهم ولهجتهم المحلية الصرفة والنقية مثل ماء عذب.
جابر جاسم جابر جاسم المريخي، هكذا اسمه، من أهل دلما، ولد عام 1950م، تلقى تعليمه في أبوظبي وقطر، عمل بالفن وهو لا يزال صغيراً، كان أول ظهور له على المسرح عام 1961، ابتعث عام 1971 لدراسة الموسيقى في مصر في المعهد العالي للموسيقى، له صوت مؤنس وهادئ، يمتاز ببحة جميلة، وطبقة صوتية نادرة، ولكنة واضحة لأهل أبوظبي، من الجيل الأول الذي اعتمد على موهبته، وثقف نفسه شاقاً طريقه بنفسه، تعاون مع كثير من الشعراء، أبرزهم الكندي الذي غنى له «شدو العربان بالكلي وتركوا ذا الروح ولهانه وين بلقا عقبهم أمسلي يا شبيه الريم في اخوانه».
لحن لنفسه وللكثير من المطربين والمطربات مثل: سميرة سعيد، وعزيزة جلال، ورجاء بلمليح، وظل أكثر من 30 عاماً يخدم الموسيقى والفن في الإمارات، وحافظ على أشعار كثيرة كان مكانها في الصدور فقط، توفي مبكراً عام 2001 وهو في الواحدة والخمسين من عمره.
أحيا العديد من الحفلات في الدول العربية بهدف التعريف وإيصال الأغنية الإماراتية الخالصة، في وقت كانت الوسائل الإعلامية قليلة ومقصرة، فأشهر الأغنية الإماراتية عربياً، حتى تغنى بأغنياته مطربون ومطربات عرب، مثل أغنية «سيدي ياسيد ساداتي» للكندي، و«غزيل فلّه» لعتيق بالروضة الظاهري، له أغنيات وطنية، وأغان بالفصحى، وأغنية باللهجة المصرية، وتواشيح دينية، وله أغنيات ما زالت تطرب وجدان الناس، وأغنيات لا تشم منها إلا رائحة المكان والناس الجميلين ووقتهم الذي مضى، منها: «ياشوق هزّنيه هوى الشوق» و«ضاع فكري شالنظر فيهم» و«سلّمتلك في الحب تسليم» و«ياويل يا من ضاع فكره» و«صاح الزقر لمنادي».
أبوظبي التي تهتم بالفنون والثقافات، لا تنسى واحداً من أبنائها قدم فنه للناس وفق اجتهاده، وعبر صوته، يستحق أن يطلق اسمه على إحدى مكتبات التلفزيون أو الإذاعة الموسيقية أو أحد المسارح، وأن يسمى أحد مهرجاناتنا باسمه لسنة واحدة مع احتفاء خاص به، وإصدار طابع بريدي بتلك المناسبة، وأن تجمع كل أغانيه وتنقّى صوتاً وتقنية وتحفظ للناس والتاريخ. من جانبي الشخصي سأصنع فيلماً «ديكو دراما»، وتسجيلاً عن كل ما يخص هذا الفنان بعنوان «جابر جاسم.. صوتك يجبر الخاطر» حفظاً لسيرته وإرثه للأجيال، وتصديراً لقامة فنية إلى العالم ليتعرفوا إليه من جديد.


