يخوض الشاعر في حقول المعرفة كافة من أجل العثور على شوارد الفكر والوعي والجمال. ونراه ينبش هنا وهناك من أجل أن يكتشف بنفسه حركة الوجود والدوافع، التي تنتج عنها الأسباب وتترتب عليها النتائج. إنه يريد من ذلك كله أن يصوغ القصيدة بمفهوم جديد ومختلف وغير معتاد، ولا سبيل لذلك، إلا إذا تعددت التراكيب وزادت التناقضات والمفارقات. لذلك فان الزاد المعرفي الذي يحتاج إليه الشاعر يختلف عن الحصيلة البحثية، التي يجمعها الدارس أو الباحث في مجال واحد متخصّص ومحدد، وليكن على سبيل المثال علم الاجتماع أو الفيزياء أو غيره. بينما القصيدة تحتاج إلى معرفة متعددة متشتتة من بحور شتى.
نعم، الشاعر باحث أيضاً، لكن تخصصه هو الوجود برمته، ومعه الخرافة والأساطير والعلوم والتاريخ. هذه مهمته الكبرى التي تحتّم عليه أن يخوض في النار ليلمس غدرها، وأن يعبّر وحيداً في عاصفة الثلج كي يدرك مشاعر من عاشوا في الأصقاع الباردة وقاوموا لفحها. هكذا صار محتوماً على هذا الكائن المدهش الذي اسمه الشاعر أن يجرب كل شيء في رحلة بحثه عن القصيدة، تلك القصيدة التي يريدها أن تكون مستوفية لشرطها الإنساني، وأن تعبّر بشكل حقيقي عن هشاشة الإنسان وقوته وضعفه وحيرته أمام أسئلة الوجود. كل هذه الأعماق الدفينة من المعرفة هي واجب الشاعر أن يخوض فيها وأن يحفر عميقاً للعثور عليها.
‏هذه واحدة من الضروريات الكبيرة التي ينبغي النظر إليها عندما نقرأ القصيدة. الشعراء الكبار احتاجوا دائماً أن يخوضوا في قواميس كثيرة كي يكتبوا قصيدة جديدة ومختلفة. والشاعر الحقيقي هو الذي يذهب إلى تجديد نفسه، فنراه يحرص على الانتقال من مرحلة إلى مرحلة متصاعداً حتى الذروة، بينما نجد شعراء كثيرين يكررون قصيدتهم الأولى حتى مماتهم. ولا تختلف نصوصهم إلا بتغيير الموضوع الذي يتحدثون عنه بينما تبقى المفردات وطرق التعبير وأسلوب ابتكار الصور كما هي دائماً.
‏الأمر المهم هنا هو أن التجديد في الشعر يصبح مطلباً أساسياً عندما يريد الشاعر لتجربته أن تنتقل إلى حقيقة ما يريد قوله، ولتحقيق ذلك عليه أولاً أن يُمعن في بحثه وتجاربه، وأن يتحرر ثانياً من الأفكار الجاهزة عن طبيعة الشعر وشكل الشعر وإيقاعه، وأن يبحث عن طرق أكثر ملاءمة في التعبير عن واقعه وعن يومياته، بدلاً من القبول باستخدام أساليب قديمة، ربما لا تناسب الحياة المعاصرة اليوم. ليست هناك بطولة أن تكتب بأسلوب ونمط الشعر الجاهلي، البطولة الحقيقية هي أن تكتب نصك بلغتك اليوم وتعبّر عن وجودك وأسئلتك وقلقك في هذا العالم، وأن تصف ما تعيشه بكل حواسك بمفرداتك التي تستخدمها في يومياتك، وأن تملك القدرة على فعل ذلك من غير خوف من نقد أو محاسبة من أحد.