في أكثر من مناسبة أكدت الإمارات أنها ليست دولة تُدار بردود الأفعال، وإنما تمثل تجربة وأنموذجاً يُحتذى به في وضوح الرؤية وصلابة الموقف. وعندما يتعلق الأمر بما يُمسّ أمنها أو تُستهدف منجزاتها، فإنها لا تلجأ إلى العبارات الدبلوماسية المواربة، بل تختار الطريق الأقصر: الحقيقة الصريحة والموقف الحاسم. هذا ما أثبتته مجدداً في تعاملها مع العدوان الإيراني الغاشم الذي استمر لأكثر من أربعين يوماً، مستهدفاً البنية التحتية والمنشآت المدنية بصواريخ ومسيّرات عكست نوايا عدائية لا تقبل التأويل.
ذلك العدوان لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل محاولة مكشوفة لجرّ المنطقة إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. غير أن الإمارات، بثقلها السياسي ووعيها الاستراتيجي، أفشلت هذا المسعى، وحافظت على توازن دقيق بين الدفاع المشروع عن سيادتها، والاستمرار في نهجها الداعي إلى التهدئة والاستقرار.
جاء التفاعل الشعبي الواسع مع بيان وزارة الخارجية بشأن وقف إطلاق النار، تعبيراً عن ثقة راسخة في نهج الدولة، وإدراك عميق بأن الحزم لا يتناقض مع الحكمة، بل يكملها. فالمواقف الواضحة تطرح نفسها كضرورة تفرضها طبيعة التحديات التي تواجهنا مع الواقع والمستجدات التي ترتبت على هذا العدوان الإيراني الغاشم.
لقد انتهى زمن المجاملات السياسية التي تستهلك الوقت ولا تصنع أمناً. المرحلة الحالية تتطلب خطاباً مباشراً ومواقف لا تحتمل التأويل، وهو ما جسدته الإمارات في مطالبتها بضمانات واضحة لوقف كامل للأعمال العدائية، وإعادة فتح مضيق هرمز دون شروط، باعتباره شرياناً حيوياً لا يمكن إخضاعه للابتزاز والعقلية المأزومة المسيطرة في طهران.
كما أن الدعوة إلى مساءلة إيران وتعويض الأضرار لا يعُد مجرد مطلب سياسي، وإنما تأكيد أصيل على أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى دون محاسبة من يهدده. فالتساهل في مثل هذه القضايا لا يؤدي إلا إلى تكرارها، بينما الحزم يضع حدوداً واضحة لأي تجاوز.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإمارات أنها لم تكن طرفاً في الحرب، فإنها تبرز نموذج الدولة التي تجمع بين القوة الدبلوماسية والجاهزية الدفاعية، وتتحرك ضمن رؤية شاملة تعالج جذور التهديد، لا مظاهره فقط، بدءاً من البرامج النووية وصولاً إلى الأذرع الإقليمية التي تعيث في المنطقة اضطراباً وعدواناً.
قد تبدو المعادلة دقيقة أو صعبة عند أصحاب الرؤى الضبابية والقابعين في المناطق الرمادية، ولكنها ليست مستحيلة: سلام مستدام قائم على الوضوح، وأمن راسخ مستدام تحرسه مواقف لا تعرف الرمادية أو التلاعب بالعبارات. هكذا تُكتب السياسة في الإمارات، وتُصان الأوطان. حفظ الله الإمارات وأدام عزها.


