لم يرُقْني يوماً فن الـ«كينتسوغي» الياباني، الذي يقوم على إصلاح الأواني الخزفية المكسورة باستخدام مادة لاصقة ممزوجة بمسحوق الذهب أو الفضة. وأجزم أن ارتفاع أسعارها لا يعود إلى قيمتها الجمالية، بل إلى استخدام المعادن الثمينة في ترميمها، وإلى فلسفتها التي يسوّقون لها، والقائمة على فكرة اعتبار الكسور قيمةً مضافة وليست عيوباً، وأن كل كسر فيها هو جزء من القطعة وتاريخها الذي يجب أن يُحتفى به!
حسناً.. أن تُعتبر هذه الكسور جزءاً من تاريخ المكسور أمر أقبله، أما أن يكون جزءاً يستحق الاحتفاء فهذا ما أتحفّظ عليه، بل وأرفضه. فكيف يمكن للكسر أن يترك وراءه جمالاً! وهذا تماماً ما تروّجه لنا هذه الفلسفة، بأننا نكتمل بانكسارنا، وأن تلك الندوب التي تتركها كسورنا عادة ما تكون مقدمةً لظهور نُسخ منا أفضل.. وأجمل!
بالفعل، بعد الكسور لا نعود كما كنّا، هناك نُسخٌ جديدة تظهر، فالألم يُعيد تشكيلنا، يمنحنا صفاتٍ جديدة، قد نصبح أقوى.. ولكننا نصبح أيضاً أكثر قسوةً وأقل طمأنينة، أكثر حكمةً وأقل تسامحاً، أكثر ثقةً وأقل عطاءً. نعم.. نصبح أكثر وعياً ولكن للأسف أقل شغفاً وإقبالاً على الحياة. ومع كل هذه الخسارات، نتحول إلى ذوات جديدة لم نخطّط لأن نكونها، بل ولم نرغب بها أساساً.
يحتفون بالـ«كينتسوغي» وفلسفته، ولكنهم لا يقولون: إن في كل كسر أشياء لا تعود أبداً. ليس كل انكسار بدايةً جديدة، فغالباً ما يكون ذلك الكسر نهايةً محزنةً لنُسخة منا كانت تستحق البقاء، نسخة أكثر عطاءً أو أكثر سلاماً، أو ربما أكثر قدرة على الدهشة، نسخة لا يهمّها الذهب، ولا تحتاج لفلسفة لشرحها!


