أمك، ثم أمك، ثم أمك، قبِّل يديها يزهر عيدك، ويبدو قلبك مثل مرآة طاف على حافتها طائر سحري، وتبدو روحك تختزل الزمان، ليصبح الزمان ريحانة توزّع عطرها عند عتبة باب منزلك. 
أمك التي علّمتك أن الحياة ابتسامة، ثم قُبلة على جبين النجمة تهديك بريقها، تهديك أناقة الوجود، عندما تكون أمك هي محور الكون، وتكون ساريته التي تحمل على أعطافها، بخور زمن كان هنا بالأمس.
واليوم قد طوى عباءته، ولم يبقَ غير صوت متحشرج، قل لها شكراً لك أيتها الفيحاء، وشكراً لك، وشكراً لعطرك الذي خبأته في عروق القلب، وملأتِ به صفحات الوردة التي غطت مساحات في داخلي، وأنا.. أنا المأخوذ جبراً، أنا المستلب من فيضك عزيزتي تفيض جوانحي بالهوى والهوى أنت، أنت لا غير أنت، وسواك علم، سواك قد أسكنها ولكنها لا تسكن القلب المسكون بك، ولك، ومنك وإليك يحثّ الخطى، وكلما لاح في الزمان قمر، أو مالت شمس، رأيتك تحدبين نحوي لاهية باسمي كما تلهو القيثارة بلحن ترنَّمت به شفاه ناسكٍ متعبّدٍ.
في العيد تبدين غاليتي، أنك الغصن وأنا الطير الذي تولى وأدبر عنه الدفء، غابت الشمس، ولم تصح، لم تبح بجميل أهدابها، كون عينيك تسدلان بوح فرحك، تقولان هذه المرأة، مثل السدرة، تحب المساء، ولأنه موعد عودة الطيور إلى أغصانها. 
فنظرت إلى عينيك، ورأيت ما يرى النائم، شاهد عصر يتربع على الجفنين، وكنت أنا ذلك الطفل الذي غفا لحظة أغنية هبّت كما النسيم، تمشط مشاعر. زمن، وتخضب الكفين بأحمر الورد، بدم غزال فرّت من قسورة. 
لم أزل أذكر كيف كنتِ عزيزتي تشربين قهوتك من فنجان المرارات، وعيناك تلفظان دمعة غرائبية، دمعة زحفت على الخدين مثل نعامة نسيت الجناحين عند بئر ماء شحيح، نظرت، إلى قلبك كان يخفق مثل عصفور مهزوم كان يصفّق مثل موجة ساهرة على ترنيمة بحار شقي، نظرت إليك، وغنيت معك أيتها النجمة في قلب امرأة تاريخية، وجدتها عند قارعة تسأل عن النهار الذي كان يسرب للصغار ملح البحر، ويمنيهم بمحارة الفرح، وكنت، كنت أنا بين الضجيج صمت طفولة فقدت الصوت والصورة نرجسية معناها أننا نذهب بعيداً، ونبتعد، وثم نعود، ونعود محملين بأغنية «لأبي أصيل» يا حامل الأثقال - خففها شوي - ذا حمل ما ينشال. 
تلك أغنية، وتلك جبال، ونحن الذين نتسرّب في وعي الزمان، أغنيات مرّت هنا، وهناك في القلب أغنيات لم تنطقها الشفتان، وأنت عزيزتي، أعظم الأغنيات، أنت أجمل الكلمات لأنك أمي، ولأني طفل كبير.