تدخل باحة معرض الكتاب، تلهمك تلك الأجنحة التي تشبه النسور الخافقة بالغناء، على أغصان كأنها الغيمة الممطرة، وتمضي أنت المعنى، تمضي والهوى، هوى كتاب ألفه عاشق للحياة، مدمن قراءة التفاصيل بين سطور، وبحور أمواجها بيضاء في عرفها الوشوشة، وهمس، ولمسات تثير فيك الفرح، تمنحك ابتسامة، كأنها الحلم بين رموش كحلها سواد حروف، مررت رائحتها عن الخافقين، ومرت، واستعصى على الزمن بروغ فراشاتها بعيداً عن ألق أسطوري، وأنت تتامل اللوحة التشكيلية من وجوه عرفتها وأخرى تمر مثل النسائم، وأخرى تدهشك حين تسأل عن كتاب سمعت به، ولم ترَه. 
في الزوايا، ّأجنحة وفي الواجهات مظلات، تشيع في الفراغات بلل الغيمة، تمنحك حق الوجود رغم منصات النسيان، التي قد تحيطك برغوة الصابون، فاقد الصلاحية. تحب أنت المعنى هذه الحفلة، وبين المشاعر ما يعطيك حظاً في البقاء حياً ترزق، تتنفس الهواء من بين طيات كتاب أعجبك، وكتاب ألهمك، وكتاب تتمنى أن يكون لك، وكتاب يثير فيك حب الكلمة، ويجعلك تتأبط أحلامه كما تفعل الوردة وهي تحفظ الود مع العطر، وكما تفعل الفراشة، وهي تمتلئ لوناً زاهياً، وبراءة تختفي تحت الجناحين. 
في المعرض، البشر، وجوه لها طلعة الأقمار في الليالي، وفي المعرض قلوب، مثل صفحات كتاب، يضم مذكرات عالم يطلق صرخته ضد العنف، ضد الكراهية، ويقول للناس أجمعين، قليل من الحب لا يضر، قليل من النزاهة لا يضر. وهكذا وأنت في رحلة مع الكتاب، تجد نفسك طفلاً، تستعيد عفويتك، تجتاحك رائحة الحبر مثلما تستولي الموجة على قلب محارة، مثلما تسكن الغيمة ضمير عاشق شفّه الشظف، ولم يزل يكتب في العشق قصائد تشبه أحلام الطفولة.
عند زاوية وفي طرفة عين، رأيت ما يرى النائم طفلاً يعكف على قراءة كتاب قصصي، ملون، بلون وجه الطفولة، وسرتُ نحوه، واستمعت إلى لمسة الشفاه للشفاه وهو يقرأ، ويقرأ، وكان في مهد الطفولة كأنه جملة معرفية تعبر عن شغف، ولهف، وتمضي.. تمضي في نوايا العقل، حلماً وجودياً، مستلهماً من وعي الذين اسسوا للكلمة مساحة واسعة في وجدان العشاق، ونسجوا خيوط الحرير على صفحات باتت كأنها عيون في طرفها حور، وكأنها ثغور في نضيدها سحر، وزهر، ودهر من أزمنة ترامت وتلاحقت، وسجلت في التاريخ معلقات من ذهب، وكتبت على صفحاته، قلائد من حبر. ولا يمضي العمر، ما دام في القلب كتاب ينبض باسم الحياة، باسم وردة مرت على القلب، هيابة، مستجابة، تمطر عندما يعز المطر. في معرض الكتاب، يبدو الكتاب، بريق مدينة رقت، ودقت مواعيد الحلم الجميل، فاستجاب الكتاب، وأهاب بكل عشاق العلم والعالم، بأن يحتفلوا في اليوم مرات، ومرات، وأن يهبوا، لقراءة تملأ المكان صوتاً، وصيتاً، وتلون الحياة، بضجيج الكلمات، لأن في ضجيجها، يقظة، وفي ضجيجها، لحظة، تفتش عن ومضة في الوجود، ولمسة حياة متجددة.