لِمَ غابت متعة الأشياء منا، وعنا؟ لِمَ قبلنا أن تسلبها منا الحياة الجديدة وإيقاعها المادي السريع والغامض؟ لِمَ فقدنا فجأة براءة الأشياء؟
دائماً ما يطرأ عليّ هذا التساؤل، ولا أعرف على من نضع اللوم، علينا أم على ظروف الوقت، وتغير نمط الحياة؟
-قديماً كان لكل شيء متعته، ورونقه ونكهته، تذهب إلى لندن، وتجلس في ذلك الفندق الملوكي، تحتسي شاي الساعة الخامسة مع الخبز ومربى الورد والبسكويت الإنجليزي الذي ما زال يوضع في صندوق معدني عليه علامات تجارية تعود لعام 1881، تشعر بمتعة الجلوس في ذلك المكان، وتشعر بمتعة الشاي الإنجليزي الصافي، وتفرح بالنادل الذي يشبه جنتلمان إنجليزياً حقيقياً، وتحاول أن ترشف منه بصوت غير مسموع، على غير عادتك، تفرح بالعجائز المتصابيات بأرستقراطية زائلة، وذلك التأنق بحذر، وعجوز متهندم من بقايا تقاعده يوزع ابتساماته عليهن، عل هناك رمق يفرحه بشيخوخته المتهالكة، اليوم لا طقوس للشاي، ولا متعة لحضورها، ولا أحد يحرص على أن يأتي في الساعة الخامسة عصراً على موعده، كعادة جميلة للثرثرة، وتقصي أخبار المدينة، واكتفى الناس بعادة شرب قهوتهم وقوفاً أو هم ماشين في الطرقات في كأسات ورقية أو معاد تدويرها، اختفت الرومانسية والرقي منذ أن فتحت مقاهي على طريقة الوجبات السريعة، وتخلت الفناجين البورسلان الإنجليزية ذات الرسومات والألوان الوردية عن مكانها لـ«ماغ» بشع يصلح لأن تلغّ فيه ضبعة رمادية!
-كانت هناك متعة في ارتياد الفنادق، والشعور أنك كالمسافر، وأن وجوهاً كثيرة متغيرة تمر أمامك، وقد تعيرك انتباهاً، وقد تقول لك مرحباً من الخاطر أو قد تتشاركان عشاءً رومانسياً من بعيد على شرفة تطل على المدينة، وكلاكما تسبحان في عالمين مختلفين، اليوم الفنادق محطات للعمل السريع، والمشاريع التي لا تعرف متى ستكتمل، وغداءات عمل لا تخلو من نصب مؤجل، وشباب لا تعرف متى تخرجوا من الجامعة ليعتركوا في خضم سوق العمل، ثَمّ عدم ثقة واضحة، عادة ما تربك جماليات صباحات الفنادق، وأمسياتها التي تشبه الخدر، حتى الفنادق القديمة تخلّت عن أعمدتها الهرقلية لصالح الألمنيوم الرخو.
-كانت متعة تناول أكلات الشعوب المختلفة، متعة التحلق حول طاولة مستديرة أو مكان دافئ يشبه الحجرات، فيه الكبير والضيف والصديق، والمطلع يتحدث، والصغير والمضيف والمتطلع للمعرفة يستمع، اليوم لا متعة في الأكلات السريعة، ومطاعمها التي تفوح منها رائحة قلي الزيوت المكثفة، تبدو الأشياء فيها بلاستيكية من مقاعدها وطاولاتها، وتلك الأشياء الملونة بسذاجة، لا شيء حقيقياً يجبرك أن تجلس بمتعة، والكل ساهٍ، لاه في هاتفه، لا أحد يقول في تلك المطاعم السريعة: الحمد لله.. استمتعت بالأكل، كلهم ينفخ، ويتحسس بطنه، قائلاً: يا أخي.. شبعت، أووف!
-كانت متعة الأغاني، تذهب بك فيروز في صباحاتها الندية، تناظر بيوتاً قرميدها من أحمر مبتل، وطائر الدوري يتقافز من شجرة الحور إلى شجرة صنوبر عجوز، ولا يكف عن الإنشاد، يتجلى عبد الحليم باعثاً شيئاً من عذابات المحب الصامت، وطهر العلاقات الحلوة، منتظراً قمراً سهران، اليوم غابت متعة الأغاني في القفز والحركات الحديدية. 
-أين متعة الرسائل الخطية بورق ملون، ومعطر؟ وإهداء أشرطة غنائية منوعة، اليوم لا متعة في الرسائل النصية، وتلك الأشكال الصورية الجاهزة، والورد الذي يشبه لوح زجاج، لقد تكسرت الكلمات حين تخلت اليد اليمنى في تدوينها ونقشها، وخط حروفها وتنقيطها، وتركت اللوح الإلكتروني يكتب بدلاً منها كلمات لا تستقر على سطر، وخاوية، وقابلة للتشظي، ويمكن أن يصححها الجهاز لوحده بطريقة خاطئة لا تعنيها.. لقد غابت متعة الأشياء الجميلة من حياتنا أو نحن من سمح في غفلتنا بغيابها! فيروز كانت تقول منتشية: أسمعني من بيوت الجيران!