افتتحت إمارة الشارقة برنامجها الثقافي في معرض وارسو الدولي للكتاب 2026 بأمسية شعرية بعنوان "ضفاف"، جمعت الشاعرة الإماراتية خلود المعلا والشاعرة البولندية ورسولا مورغا، في لقاء أدبي احتضنه جناح الشارقة، ضمن مشاركة الإمارة ضيف شرف الدورة الخامسة من المعرض.

وجاءت الأمسية بوصفها مساحة مفتوحة للحوار بين تجربتين شعريتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين تلتقيان عند اللغة والإحساس الإنساني المشترك، حيث تداخلت العربية والبولندية في قراءات متبادلة عبرت بالقصيدة بين ضفتي الثقافة، وفتحت أمام جمهور المعرض نافذة على المشهد الشعري الإماراتي المعاصر.
وأدارت الجلسة الشاعرة شيخة المطيري، وسط حضور من زوار المعرض والناشرين والكتّاب والمهتمين بالأدب من بولندا وعدد من الدول الأوروبية، حيث استهلت خلود المعلا قراءتها بمجموعة من النصوص التي حملت طابعاً تأملياً داخلياً، واتكأت على الصورة والذاكرة والالتفات إلى التفاصيل الصغيرة بوصفها مدخلاً لفهم العالم، فقرأت:
"عند الفجر،
والمطر يملأ جدران حواسي بمدائنه الفضية…
طرق بابي،
فتحت،
فباغتني صوت ارتطام قلبي بالريح."
وفي واحدة من أكثر لحظات الأمسية تأثيراً، قرأت المعلا نصاً آخر توقفت فيه عند أثر الغياب وما يتركه الفقد من أسئلة مفتوحة داخل الإنسان، وقالت:
"كيف تركت قلبي يومذاك؟
ما من أحد يعرف.
ما من أحد مطلقاً…
ولا حتى أنا."
وبدت القصيدة كأنها حديث داخلي مفتوح مع الذاكرة، حيث لا تُقدَّم الإجابة بوصفها يقيناً، بل بوصفها سؤالاً يبقى معلقاً في النفس، حيث لامست جمهور الأمسية بما حملته من هدوء وتأمل، وبقدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى معنى إنساني مشترك.
كما قرأت المعلا نصاً استلهم التفاصيل اليومية كمادة شعرية قابلة لإعادة الاكتشاف، فقالت:
"هذا الصباح لم أحتمل لون الصحيفة…
لم أكن في الصحيفة،
لكنني قرأت اسمي في الوفيات…
وتحت قصيدة لم أكتبها
لمحت في الصفحة الرابعة لوناً يشبه لون هوسي…
فنجان القهوة عاد مملوءاً،
كنت قد شربته البارحة…
أتذكر وجهي مقلوباً في الفنجان،
وتذكرت تساقط الحروف،
وأنني أقرأ الصحيفة مقلوبة…
مثل وجهي في فنجان القهوة."
وقدّمت الشاعرة البولندية ورسولا مورغا نصوصاً حملت تأملاً في الزمن والجسد والقلق واللغة، وافتتحت مشاركتها بالإشارة إلى صدور كتابها الجديد «الحياة الأبدية» في اليوم نفسه، معتبرةً قراءتها في جناح الشارقة بمثابة "إطلاق عالمي" لهذه القصائد.
وقرأت مقطعاً قالت فيه: «تتناقص الأيام التي أستطيع فيها أن أواجه الشمس بوجهي، وتندر لحظات الرقص قبل أن يكشف الزمن أول علاماته… وأنتظر بينما يتناقص عدد التفاحات التي سأعضّها بأسناني، والقمم التي سأبلغها وحدي»، في نص يتأمل هشاشة الوقت وما يتركه العبور الإنساني من أسئلة على الجسد والذاكرة.
وفي نص بعنوان «يوم الاستقلال»، اشتغلت مورغا على مفارقة لغوية وإنسانية بين الحرية والقلق، فقالت:
«اليوم تحتفل مخاوفي بعيد استقلالها.
أقف منتبهةً أمام تمثال عجزي، وأرفع له التحية… لا أنتمي إلا إلى اللغة، ولا أخضع إلا لقواعدها.
أتبدّل مثل الكلمات».
وجاءت قصيدتها محمّلة بلعبة لغوية دقيقة، تتحول فيها قواعد اللغة إلى استعارة عن تحولات الذات وخضوعها لقلقها الداخلي، بما أضفى على الأمسية بعداً شعرياً آخر يلتقي مع تجربة المعلا في مساءلة الذاكرة والهوية والوجود.
وتأتي الأمسية ضمن برنامج الشارقة الثقافي في المعرض، الذي يمتد على مدار أربعة أيام حتى 31 مايو الجاري، ويضم 35 فعالية ثقافية تشمل 28 ندوة فكرية و4 أمسيات شعرية و3 ورش فنية للأطفال، بمشاركة 21 مؤسسة ثقافية وأكاديمية وإعلامية، و36 مبدعاً إماراتياً و15 مشاركاً بولندياً، في سلسلة من اللقاءات التي تجمع كتّاباً ومبدعين من دولة الإمارات العربية المتحدة وبولندا، وتتناول الأدب والشعر والمسرح وأدب الطفل وتحولات السرد والهوية الثقافية.