حسام عبدالنبي (أبوظبي)
تُرسِّخ دولة الإمارات حضورها ضمن المنظومة العالمية لأسواق المال، بفضل ثقة المجتمع الرقابي الدولي في بيئتها التنظيمية والرقابية.
وتعتمد دولة الإمارات نهجاً يقوم على مفهوم أن أسواق المال القوية لا تُقاس فقط بحجم نشاطها، بل يجب أن تتسم أيضاً بمتانة أُطرها التشريعية، ووضوح قواعدها التنظيمية، وكفاءة منظومتها الرقابية، وقدرتها على استيعاب الابتكار ضمن إطار منضبط.
ولتعزيز مكانة الدولة ضمن أسواق رأس المال الرائدة عالمياً، نجحت «هيئة سوق المال» في إنفاذ وتطوير منظومة تشريعية ورقابية متكاملة ومرنة تحمي حقوق المستثمرين وتُرسّخ التعاملات العادلة والوعي الاستثماري، وتمكّن لتنافسية وجاذبية سوق رأس المال بالدولة من خلال نماذج عمل مبتكرة توظِّف القدرات البشرية المؤهلة والتطبيقات الرقمية المتقدمة والشراكات النوعية.
وشهدت البيئة التنظيمية في الإمارات مؤخراً حراكاً نوعياً شمل تحديث الأطر التشريعية، وتنظيم الأنشطة المالية المستحدثة، وتطوير قواعد الحوكمة، وتعزيز التكامل الرقابي مع الجهات المحلية والدولية. كما واصلت هيئة سوق المال توسيع شبكة الشراكات المؤسسية، بما يعزّز الاعتراف المتبادل، ويرسّخ حضور الدولة ضمن المنظومة العالمية لأسواق المال، ويعكس ثقة المجتمع الرقابي الدولي في البيئة التنظيمية لأسواق رأس المال في الإمارات.
رقابة وقائية
عزّزت هيئة سوق المال نهجها في الرقابة الوقائية خلال العام الماضي، عبر تنفيذ برامج تفتيش دورية ومفاجئة ومكتبية على الشركات المساهمة العامة وصناديق الاستثمار والأنشطة المالية المختلفة، وفق منهجية إشرافية مبنية على المخاطر تضمن توجيه الموارد الرقابية بكفاءة أعلى وتحسين تقييم المخاطر ورفع فعالية الإشراف.
وفيما يخص مواجهة غسل الأموال والجرائم المالية، حرصت هيئة سوق المال على تطبيق مفهوم الرقابة الاستباقية لتعزيز نزاهة السوق، والحد من المخاطر المرتبطة بالجرائم المالية، حيث خضعت 80 شركة للتفتيش الميداني، وتم تقييم مخاطر 155 شركة مرّخصة، مع فرض مخالفات إدارية بقيمة 8.1 مليون درهم (مقابل 1.85 مليون درهم في عام 2024)، و18 إحالة لإدارة الإنفاذ. وفي إطار رفع مستوى الامتثال لدى الجهات الخاضعة للرقابة فقد نظّمت الهيئة 14 ورشة في الامتثال والأطر التنظيمية، بمشاركة 2291 مشاركاً، ما يمثّل زيادة بنسبة 190% في عدد المشاركين مقارنة بالعام السابق.
وشملت الجهود الرقابية 5 مجالات رئيسة، هي متابعة الامتثال للتشريعات المنظمة، مراقبة التداولات اليومية ورصد التداولات غير الاعتيادية، إضافة إلى مراجعة التقارير المالية الدولية، وتقارير الملاءة المالية وتقارير التداول بالهامش، وأخيراً فصل الحسابات وآجال الذمم المدينة والدائنة مع إحالة الجهات المخالفة إلى الإنفاذ عند الحاجة.
وأحالت هيئة سوق المال خلال العام الماضي، 63 حالة تلاعب متعلّقة بالتداولات لدراستها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، كما تم إعداد تقارير متابعة البلاغات المقدمة من المراقبين الداخليين بنسبة 100%.
صون الحقوق
تعكس إجراءات الإنفاذ في هيئة سوق المال، التزاماً راسخاً بحماية حقوق المستثمرين وتعزيز الانضباط والشفافية في السوق، مع تطبيق متدرّج ومتوازن للأدوات الرقابية، بما يحفظ استقرار السوق. وتشير بيانات الهيئة إلى اتخاذ 324 إجراءات رقابية شملت 44 حالة إحالة للنيابة العامة، وفرض 73 غرامة مالية، وتوجيه 99 إنذاراً و82 تنبيهاً، وإصدار 4 توجيهات وحالتين إيقاف عن التداول.
أما ما يخص حماية حقوق المستثمرين، فتعاملت «سوق المال» مع 75 شكوى ضمن إطار مؤسّسي واضح ينظّم إجراءات تلقِّي الشكاوى والدراسة واتخاذ القرار، وبما يضمن سرعة الاستجابة وشفافية المعالجة، ويعزّز ثقة المتعاملين في قنوات التواصل الرقابي. وبلغت قيمة المبالغ المستردة للمستثمرين نحو 10.8 مليون درهم، ما يعكس فاعلية الأليات الرقابية المعتمدة في معالجة المخالفات وتسوية النزاعات، ويعزّز الثقة بقدرة المنظومة التنظيمية على صون الحقوق المالية للمتعاملين.
انضباط مؤسسي
ركّزت هيئة سوق المال على تطوير أُطر تنظيمية من أجل الالتزام والانضباط المؤسسي، توازن بين المرونة التشغيلية وأعلى معايير النزاهة والشفافية، وقد بلغ عدد الشركات الخاضعة لدليل حوكمة الشركات بنهاية عام 2025 نحو 120 شركة مساهمة عامة محلية مدرجة بعد استثناء الشركات الأجنبية وشركات المناطق الحرة المالية. كما بلغ عدد الشركات الملزمة بتقديم التقرير المتكامل للحوكمة عن عام 2024 نحو 118 شركة، أصدرت منها 116 شركة تقاريرها بنسبة إفصاح بلغت 98.3%، ما يعكس مستوى مرتفعاً من الالتزام والانضباط المؤسّسي.
التكامل الرقابي
اتسعت في عام 2025 دائرة الشراكات المؤسسية لهيئة سوق المال، بما يعكس نهجاً قائماً على تعزيز التكامل الرقابي، وتبادل المعلومات، والانفتاح على أفضل الممارسات الدولية، وترسيخ مكانة دولة الإمارات ضمن المنظومة العالمية لأسواق المال. وخلال العام، وقّعت الهيئة 7 مذكرات تفاهم واتفاقيات جديدة، ليرتفع إجمالي عدد مذكرات التفاهم الموقعة إلى 166 مذكرة تفاهم، في مؤشر يؤكّد اتساع نطاق الشراكات المؤسسية محلياً ودولياً وتعميق الروابط التنظيمية العابرة للحدود.
كما تلقّت الهيئة 65 طلباً من أعضاء المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، وأرسلت 445 طلب ملاءة وملاءمة إلى الجهات النظيرة، وشاركت في 10 مؤتمرات واجتماعات دولية، إلى جانب عقد 52 اجتماعاً ثنائياً، والتعامل مع 21 استفساراً واستبياناً دولياً، بما يعكس حضوراً رقابياً فاعلاً، وتفاعلاً مستمراً مع المجتمع التنظيمي الدولي.
وإلى ذلك، تُعد متابعة معيار الإبلاغ المشترك ومتطلبات الحسابات الأجنبية، من أهم واجبات هيئة سوق المال، وفي هذا الإطار نفّذت الهيئة 101 عملية تدقيق وأحالت 4 حالات للإنفاذ، وبلغ عدد الجهات ضمن قاعدة الإشراف 148 جهة.
ورصدت الهيئة 21 حالة قصور في الالتزام بتلك المعايير، إلى جانب قيامها بتسجيل 73 جهة جديدة خلال العام.