الأحد 31 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

محمد الخيّال.. فارس القصائد العذبة

محمد الخيّال.. فارس القصائد العذبة
6 فبراير 2021 00:02

إبراهيم الملا

«واختصّ عن زين الوصوف /‏‏ وارتدّ بعلوم الوِكاد
يلّي مياديله سْفوف /‏‏ على المحايِب والأنهاد
ولا عقّصوا له بالحفوف /‏‏ ولا حطّ له لفْق وعْقاد
مِ «القايني» عطره يدوف /‏‏ بالطيب وارْياح الزباد
وان ثار ما جاك مْخفوف /‏‏ وإلّا ظِهَرْ حِسّه هباد
توح جْدِمِهْ مَدّه بْروف /‏‏ والخصر هايف با جْتلاد»

يأخذنا شاعر «الذيد» الكبير (محمد بن علي الخيّال الطنيجي) في قصيدته أعلاه إلى دروب ومسالك تنتهي بالكشف عن الخصوصية الشعرية اللصيقة به، والمتشكّلة بفيض وجداني، وروح منشغلة ببيئتها قولاً وتعبيراً وانتماءً، ولكنها خصوصية غير منغلقة بالمطلق؛ لأنها تعمّ منطقة واسعة من البادية الإماراتية المنتشرة في براري وصحاري وسهوب الشارقة وأم القيوين ورأس الخيمة والتي يجمعها عصب مائي مهم في الماضي، كان يجري بين هذه المناطق الممتدة من الجبال المحاذية لمنطقة «الذيد» حتى مجمع الوديان في منطقة «الفلي»، وصولاً إلى ساحل أم القيوين، وتحديداً إلى منطقة «الراعفة»، حيث المصبّ الأخير لهذا النهر القديم في مجرى «المدفق» المشتقّ من تدفق الماء واندفاعه نحو البحر.
في قصيدته الغزلية هذه يستشفّ المتلقي عذوبة شعر الطنيجي وتدفقه وغزارة متنه ورقّة حواشيه، فنراه وهو يتجلّى بأسلوبه الشائق والرائق في مزج المرئي بالخفيّ، والواضح بالمبهم، والحاضر بالمنسيّ، ضمن علاقة تبادلية خصبة، تذوب فيها المسافة الفاصلة بين «الأنا» و«الآخر»، وهذا الآخر يتمثّل في المرأة الجامعة بين حسن المظهر وجمال الجوهر؛ ولذلك فهو يختصّها بالوصف مقارنة بغيرها من النساء، مسترسلاً في هذا الوصف، ومشيراً إلى حيازته للمعلومات الأكيدة عن المرأة محلّ الإعجاب وعن شمائلها وميزاتها، فهي ذات ضفائر منسدلة معتنى بنسجها وتزيينها، وهي ضفائر تُغطّي كامل الجسد، دلالة على طول هذه الضفائر وكثافتها، كما أن عطرها «القايني» المكوّن من الزعفران السائل، يفوح في الأرجاء ليضيف إلى بهائها بهاءً مضاعفاً، كما أن مشيتها على الرمال لا ثير الغبار ولا يصدر عنها صوت يلفت الغافل عنها، وفي ذلك دلالة على خصال أخرى محمودة، تستعيض عن نقصها بكمالها، فهي امرأة تتمتع بخفّة ورشاقة وحياء، ولعب الشاعر هنا لدور المراقب، لا ينفي تأثره الشديد بما يراه، وبتفاعله الجامح مع تفاصيل المشهد، وما يقترن به من لوعة ولهفة وافتتان.

كلماته العذبة
يرد في السيرة الحياتية للشاعر الطنيجي أنه كان وحيد والديه، وأنه ولد لأم تنتمي لقبيلة «بني قتب» الكريمة، وأنه عاش مع أخواله بعد انفصال والديه في بادية: «سيح الغريف» ليقضي فترة طفولته وبداية شبابه هناك، متنقلاً بين موارد المياه في مناطق «المدام» و«المرييل» و«الحصون» و«فلي» ثم «الهير» و«الإيفار» في الجنوب، حيث ظهرت موهبته في نظم الشعر النبطي خلال الفترة التي قضاها مع أخواله من «بني قتب»، وبدأ في قول الشعر وهو في السنوات الأولى من شبابه، أثناء تنقّله بين الأحياء وموارد المياه والمناطق المجاورة، ليتغنّى بأشعاره، ويلقي كلماته العذبة على مسامع الفتيات وهنّ يردن الآبار الموزعة على هذه المناطق، ويورد كبار السن الذين عاصروا الشاعر أول قصيدة قالها الشاعر بقرب هذه الآبار وتحديداً قرب طوي (المرييل)، وهي بئر ماء عذب يسكن قربها (بنو قتب) ويقول في هذه القصيدة التي يدعو فيها الله لجلب الأمطار كي تهب الحياة لهذه البئر وللأرض المحيطة بها:
«في رجا لي كان مطلوبي /‏‏ يستجيب المدّعي له
يعد سحبٍ فيه لشبوبِ /‏‏ عا مجرّ السّيح وفليّه
صوب (لمرييل) ريتوبِ /‏‏ ع السبوع اتجيه عليّه
تازم الوديان ديحوبي /‏‏ والغِضِي ما يورد بْريّه
ايخصب وإتّيه لعشوبِ /‏‏ وترتعي الهامل بلا رعيّه
ويوتلف من كل غرشوبِ /‏‏ سولعيّات ودمانيّه».

المفردة البدوية
بعدما بلغ الشاعر سن الزواج حنّ إلى دياره وإلى عمومه في الذيد، فرجع إلى هناك وتزوج من إحدى العوائل الكريمة من بني قتب، واستقر به المقام في «الذيد» حتى وفاته.
تبرز خصوصية شعر «الطنيجي في تركيزه على المفردة البدوية الأصيلة ذات اللهجة الصافية والنقية من شوائب اللهجات الدخيلة والمستحدثة، والتي ظل الطنيجي وفيّاً لها في قصائده وفي مسلكه اليومي حتى آخر حياته؛ ولذلك حظي شاعرنا أيضاً بلقب آخر وهو: «شاعر الأصالة» نظراً لارتباطه القوي بفطرته وسليقته بعيداً عن مظاهر الحداثة والتحولات الجديدة في المجتمع - رحل الطنيجي «رحمه الله» في عام 1984م - وفي ذلك دلالة على قوة ارتباطه بفضاء واضح ومؤتلِف انطبع في روحه وحواسّه، في مقابل فضاء مشوّش ومختلف لم يستطع شاعرنا التكيّف معه أو الاندماج فيه، وللطنيجي قصيدة مشهورة يؤكد فيها موقفه من هذا التمايز وميله الأكيد للحياة الفطرية بموروثها المجسّد والاعتباريّ، فهو بالنسبة له موروث ناصع ومنفتح على أفق البصر وعلى مشاع البصيرة، يقول الطنيجي:

«(الشِّعْبْ) ما له خانه /‏‏ ما تسكنه لشراف
مطبقّه بيبانه /‏‏ ولي فيه ما ينشاف
وزين البدو سكّانه /‏‏ في ذاريات نظاف
ومكرّمٍ ضيفانه /‏‏ ترحيبتين رْضاف»

فهذا الاختيار الشخصي للشاعر في الابتعاد عن الأنماط الاجتماعية الحديثة، يذكره لنا الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي بشكل واضح من خلال جهد بحثي مقدّر واستقصاء نافذ، أعاد لنا الميراث الشعري المهم للطنيجي والذي توزّع على ألسن الرواة دون توثيق لسنوات طويلة، قبل أن يصدر المزروعي ديوان الشاعر ويضيء لنا على مسيرته الحياتية والإنسانية الحافلة من خلال مقدمة وافية ومليئة بالمعلومات الكاشفة عن سرّ موهبة الطنيجي، والظروف المساهمة في تأكيد شعريته وعلوّ كعبه في هذا المجال.
يشير المزروعي إلى أن الطنيجي يقصد «بالشعب» البيوت الشعبية، مبدياً عدم رغبة شاعرنا في السكن بها، لأنها ستكون مغلقة الأبواب ولن يأتيها الضيوف، بعكس البدو القاطنين أعالي الكثبان الرملية النظيفة، مذكّراً المتلقي لقصيدته بأن عادة البدو هو إكرام الضيف، وأن دلالات هذا الكرم تتمثل في أبوابهم المفتوحة للجميع، وفي قلوبهم المفتوحة هي الأخرى على الخير والمحبة والترحاب، ولذلك يسكن البدو في الهواء الطلق، على رؤوس «العراجيب» والرمال بجانب الإبل والماشية.

روّاد
يوضح المزروعي في مقدمته البحثية عن الشاعر محمد بن علي الخيّال الطنيجي والواردة في كتابه: «موسوعة أعلام الشعر الشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة» أن شاعرنا رغم أنه من روّاد شعر المرحلة الحديثة التي لحق شعراؤها بقيام الدولة وبجزء من التطور الحديث، إلّا أنه لم يتعرّض للكماليات الحديثة والكلمات الجديدة الدخيلة علينا، وبقي على أسلوبه القديم في قول القصيدة، فلم يذكر الآلات الميكانيكية وأهمها السيارات التي لم يغفلها أي شاعر في مرحلته، أمثال: الدهماني والكاس والجمري والكندي وغيرهم، كون هذه السيارات جديدة عليهم فاستخدموها في مقدمات قصائدهم أو في ثناياها، بينما فضّل الطنيجي ذكر «الإبل» فقط، وهذا دليل على أنه لم يكن يفضّل ركوب السيارات، واختار عوضاً عنها النوق المجيبة المشهورة بين أبناء البادية.

حوارات افتراضية
من العلامات المميزة في شعر محمد بن علي الخيّال الطنيجي لجوؤه للحوارات الافتراضية مع الكيانات والأشياء غير الناطقة، مستنبطاً من سكونها وسكوتها خيالات شعرية مرهفة، تدلّ على عمق إدراكه، وجمال منطقه، ورغبته في خلق حالة درامية ممتلئة بحرارة العاطفة، وقوة المعنى، وجزالة التعبير، مستعيناً في قصائده الافتراضية هذه برغبة داخلية متأججة في اختبار موهبته الشعرية، وامتحان قدراته الذاتية، للوصول لصيغة شعرية متفرّدة، وصور مشهدية نادرة، لم يتطرّق لها سوى القليل من الشعراء المعاصرين للطنيجي، غير أنه ظلّ الأكثر تألقاً وتمكّناً من غيره، حيث خاطب العناصر الجامدة مثل: الفنجان، والمرايا، والعصا، وشجرة الغاف، وطائر الحمام وغيرها من الموجودات المحايدة والمصمتة، ليبث فيها الوعي والتجاوب والانتباه، ويوغل في الكشف عن منطقها المتواري، وعن خطابها الخاضع للكتمان، وهنا نموذج لقصيدة حوارية يجادل فيها «المرآة» أو «المشهدة»، كما في المنطوق الشعبي عند البدو، ليجبر المرآة على البوح بصفات وجماليات المحبوب، فهي: أي «المرآة» المستودع الوحيد لصورة الفتاة الغائبة عن المكان، ولمظهرها المنسيّ في ثنايا الزمان، وهذه الصور باتت حكراً الآن على ذاكرة «المرآة» والتي يجب تبيانها وإماطة اللثام عنها، يقول الطنيجي للمرآة أو «المشهدة»:

«يا (المشهدة) أخير تصافين /‏‏ بالصدق وتقرّين بأقصاك
عن يادل زخّك بليدين /‏‏ شلّك وخزّك بعين جدواك
حيدج تحت لجنان تليين /‏‏ وعندي زهد ما شي يغباك
ما لك عذر لو بتبرّين /‏‏ وكلها الوكيدة عندك تراك»
فترد عليه المرآة رافضة الكشف عن صفات الفتاة الحاملة لها والمتزيّنة أمام سطحها العاكس، قائلة:
«أسميك يا ذا الشاعر مْحينْ /‏‏ كنّ العذر ما منّي أكفاك
عطني عهد فوق الأيامين /‏‏ تأخذ عليّه حال منّاك
عندك وكيده من عن الزين /‏‏ وانته حيّد عنّي أتحرّاك
أخاف من ميزاه في الحين /‏‏ واحطّ في صْياخٍ وأشراك»
وبعد شدّ وجذب، وحوارات متفاوتة بين المزح والجدّ والمماطلة والإلحاح، ووعد الشاعر بكتمان الأمر، ترضخ «المرآة» لطلب الشاعر، وتبوح له بصفات ومزايا وغنج ودلال الفتاة الباقية صورتها في كنف المرآة وفي خزين أسرارها، قائلة للشاعر:
«العود من موز المغاتيل /‏‏ غرقان وفنونه رويّات
شفت الخشم والخدّ والعين /‏‏ والي المضاحك جوهريّات
وعا النهد طالق يديلين /‏‏ طيّ الحبال خلاف طيّات».

«طشّ الروايح»
صدر للشاعر محمد بن علي الخيّال الطنيجي ديوان شعري عنوانه: «طشّ الروايح»، جمع وإعداد وتحقيق الدكتور راشد أحمد المزروعي، وصدر الديوان في طبعتين، أولاهما في عام 1994م، وكان من بواكير أعمال الباحث التوثيقية، والأخرى في العام الماضي 2020م عن دار التراث الشعبي، وهي طبعة منقّحة، شملت معلومات جديدة وقصائد إضافية للشاعر، ويشير المزروعي في مقدمة الديوان إلى أن قصائد «محمد الخيّال» انتشرت بسبب تداولها بين الناس، وتغنّي الجميع بها، ولم يوثقها أحد، مضيفاً أن أغلب قصائده تتناول الغزل العفيف والإبل والغدران والسيول وآبار المياه والمناطق المزدانة بالعشب الأخضر بعد هطول المطر، تتخللها قصائد في النصح والإرشاد، وهي مواضيع طاغية على عموم ميراثه الشعري المتمتع بخصوصية إبداعية تضعه في مساحة مستقلة مقارنة بغيره من الشعراء، ويوضح المزروعي أن اختياره لعنوان «طشّ الروايح» يدخل في سياق التفاعل مع المواضيع الشعرية الأهم لدى الطنيجي، فهو اسم لبئر ماء مشهورة بعذوبتها، وهو اسم - كما يؤكد المزروعي - يلائم طبيعة قصائد الطنيجي العذبة والسلسة والجميلة، إضافة إلى أنه اسم من التراث المحلّي، ويمتلك دلالات فائضة تعيد لنا سحر المكان والقيمة الجمالية الكبيرة للماضي، وللبيئة النقيّة المعبّرة عن حقيقة بادية الإمارات الشمالية وجاذبيتها.

منطقة «المرقّبات»
ولد الشاعر محمد الخيّال الطنيجي عام 1895م في منطقة «المرقّبات» التابعة لحاضرة «الذيد»، و«المرقّبات» اسم يطلق على الآبار ذات البناء الخارجي العالي نوعاً ما، لتمييزها عن الآبار الأخرى، وقد يكون هذا التمييز عائداً لطبيعة مياه البئر نفسها، الأكثر عذوبة من غيرها، وهناك منطقة شهيرة في دبي تسمى «المرقبّات» أيضاً، أي المحتوية على آبار ذات بناء عالٍ شبيهة بالرقبة أو الأعناق الطويلة، وينتمي شاعرنا - كما يشير الباحث الدكتور راشد المزروعي - إلى قبيلة «طني» الكريمة، التي تعتبر «الذيد» موطنها وموطن أجدادها منذ القدم، ويتصل الشاعر بأسرة «الخياليّة» ومفردها (خيّال) وهي من الأسر العريقة التي عاشت في «الذيد» ضمن الأسر والعوائل المنضوية تحت لواء قبيلة (طنيج).

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©