الفاهم محمد
بعد انتظار دام لشهور، وصلت أولى الصور المرسلة من التليسكوب جيمس ويب الفضائي JWST إلى الأرض. إنه عمق الكون كما لم نره من قبل. سدم ومجرات ونجوم، تسبح في النسيج الزمكاني اللانهائي. شيء مبهر وخارق، يفوق حتى قدرة الإنسان على التخيل.
هذه الصور تعني الكثير بالنسبة للعلماء وبالنسبة لكافة المتتبعين، لأن ما يرمز إليه عمل جيمس ويب، هو أمل البشرية في إمكانية حل ألغاز الكون. ضخامة الحدث وأهميته جعلت الرئيس الأميركي نفسه، يعلن عنه في تصريح تلفزي نقلته شبكه سي إن إن الأميركية، حيث قال باعتزاز كبير: «اليوم سنلقي نظرة على أول ضوء يسطع من خلال تلك النافذة، ضوء من عوالم أخرى، تدور حول نجوم بعيدة عن عالمنا، إنه أمر مذهل بالنسبة لي».
يمكننا القول بكل تأكيد إذن، أن عصر الفضاء قد بدأ الآن، بعد أن تخلص من سياقات التدافع الإيديولوجي الذي ميز الحقبة الباردة. اليوم يتجه الإنسان نحو غزو الفضاء مدفوعا بهاجس وحيد، هو هاجس الانشغالات العلمية، والرغبة في كشف أسرار الطبيعة، عملا بوصية ستيفان هوكينغ:«تذكر أن تنظر إلى النجوم وليس إلى قدميك. حاول أن تفهم ما تراه واسأل نفسك ما الذي يجعل الكون موجودًا».
أفرجت وكالة ناسا للفضاء لحد الآن عن خمس صور، التقطها جيمس ويب بفضل مراياه البالغ عددها 18. هذه التحفة العلمية كما أطلق عليها، والتي كلفت نحو 10 مليارات دولار، وزهاء ثلاثة عقود من العمل. إن أهمية هذه الصور لا تتوقف فقط عند جمالها ودقتها، بل هي تخفي وراء ذلك الكثير من الأسرار، التي انكب علماء الفضاء على حلها منذ عقود. فالصورة الأولى تمثل الحقل العميق للكون، وهي أدق صورة تم الحصول عليها لحد الآن من طرف الإنسان للفضاء بوساطة الأشعة تحت الحمراء. إنها تظهر العنقود المجري smax 0723 الذي يضم مجموعة من المجرات الساطعة، كيف كانت في الماضي قبل نحو 4.6 مليار سنة. عناقيد من المجرات ذات الأشكال والألوان المختلفة، التي تسبح في المحيط اللانهائي للكون.
احتاج جيمس ويب 12 ساعة من أجل تجميع الضوء، وتكوين هذه الصورة مقارنة بتليسكوب هابل الذي كان سيحتاج لأسابيع، ولن تكون في النهاية بمثل هذه الدقة والوضوح. إن دراسة وتحليل الأطياف الضوئية لهذه المجرات، سيمكن الباحثين من معرفة كيفية تشكل عمالقة الكون هذه، وتطورها عبر الزمان. ورغم الآلاف من المجرات التي تضمها الصورة، إلا أن بين نيلسون المدير العام لوكالة الفضاء الأميركية، بشبه هذه البقعة من السماء، بمجرد حبة رمل مقارنة بالفضاء اللانهائي.
العملاق الغازي
الصورة الثانية هي لنجم يبعد عنا بمئات السنين الضوئية. وتم اختياره من طرف الفريق، من أجل التركيز عليه واختبار مدى جاهزية أجهزة التليسكوب، وحساسيتها للضوء البعيد. بعد تجاوز الكثير من الصعوبات التقنية، تمكن جيمس ويب من تجميع صورة عالية الجودة للنجم wasp 96b. بل أكثر من ذلك تمكن من تصوير خلفية النجم، التي احتوت على المئات من النجوم والمجرات الأخرى. وما يثير الانتباه في الصورة هو وجود بعض المجرات القريبة من بعضها البعض، مما يدل على أنها تتجه إلى أن تندمج كي تشكل مجرة هائلة. إنه الحدث نفسه الذي يتوقعه العلماء لمجرة درب اللبانة، التي ستختلط بعد مرور المليارات من السنين، مع أقرب مجرة لها هي مجرة أندروميدا، بعد حوالي أربع ملايير من السنين الضوئية، ضمن رقصة كونية قد لا يقدر للبشرية حضورها.
إنه لشيء عجيب أن يتمكن جيمس ويب، من تحليل الغلاف الجوي لهذا الكوكب الغازي الذي يدور ثلاثة أيام ونصف حول نجمه. على بعد حوالي 1120 سنة ضوئية من الأرض في كوكبة فينيكس. تم اكتشافه لأول مرة سنة 2013 وكان يعتقد أنه كوكب شفاف. أما الآن فجيمس ويب يؤكد أنه يتكون من بخار الماء وبعض السحب، التي لم تكن مرئية من قبل. وأنه يظل على العموم غير قابل للحياة، لأن درجة حرارته تفوق 537 درجة مئوية.
تم تصوير هذا العملاق الأزرق المنتفخ، بوساطة الأداة الكندية NIRISS وهي كاميرا للتصور الطيفي، بوساطة الأشعة تحت الحمراء. دراسته ستساعدنا بطبيعة الحال على معرفة الكواكب الغازية، وربما التقاط الإشارات الدالة على الحياة.
سديم الحلقة الجنوبية
الصورة الثالثة تقدم لنا لقطتين لسديم الحلقة الجنوبية، الذي يبعد عنا بحوالي 2500 سنة ضوئية. ونلاحظ داخل السديم نقطة حمراء هي لنجم ميت نتج عنه هذا كل هذا الغبار الكوكبي، وبالقرب منه نجم أخر أبيض مشرق لا يزال على قيد الحياة. السديم برمته يمكن اعتباره مقبرة للنجوم. لأنه يتكون أساسا من غبار وغازات النجوم التي استهلكت وقودها وبلغت نهايتها، فانفجرت انفجارا داخليا يسمى فلكيا سوبرنوفا. لكن السديم في الآن ذاته يمكن النظر إليه كما لو أنه حضانة نجمية، تسمى فلكياً NGC 33245 وهنا تتجلى قوة التليسكوب جيمس ويب، التي تسمح لنا برؤية البداية الأولى لولادة بعض النجوم، وهي ولادة من الصعب تصويرها، لأن النجم خلال هذه المدة يكون محاطا بالكثير من الغبار والغازات، اللذان ستعمل الجاذبية فيما بعد على تحويلهما إلى حرارة وطاقة مكتفة، ومن تم إلى نجوم بعد ملايين من السنين.
أنها معجزة أن يتمكن جيمس ويب من اختراق هذا الحاجز الغباري بوساطة الأشعة تحت الحمراء وتصوير دورة الحياة والموت الكونية هذه.
خماسية ستيفان
الصورة الرابعة يطلق عليها «خماسية ستيفان» stephan›s quintet galaxies وهي مجموعة مجرات مدمجة، اكتشفها ادوارد ستيفن في كوكبة بيغاسوس سنة 1877. ورغم أنها في الواقع تتكون من أربع مجرات فقط، إلا انه درج على تسميتها بالخماسية. ويظهر مرقاب جيمس ويب الموجات الصادرة عن الصدمات بين هذه البنيات الكبيرة، والذيول الناتجة عن ذلك، والمكونة من عدة مواد وغازات على رأسها الهيدروجين. وبالتالي فالصورة تخبرنا كذلك بتفاصيل دقيقة عن كيفية تشكل النجوم في بعضها البعض، من خلال هذه التفاعلات المجرية وأن هذه الاصطدامات الكبرى هي التي تولد النجوم. ورغم أنها تبعد عن الأرض بحوالي 40 أو 290 مليون سنة ضوئية، إلا أن هذا القرب يبدو مناسبا من أجل الملاحظة والدراسة، إذا ما قورن بمجموعات أخرى تبعد عن الأرض بملايير السنين الضوئية.
السديم العظيم
أخيرا تعرض الصورة الخامسة منظرا مذهلاً لسديم كارينا نيبولا carina nebula وهو واحد من أكثر السدم سطوعا في مجرة درب التبانة. يبعد عنا نحو 7600 سنة ضوئية، ويقع في كوكبة كارينا الجنوبية. أظهرت الصورة بشكل رائع المنحدرات والتعرجات الكونية، حيث تتشكل الأجرام السماوية والنجوم الساطعة. كان تليسكوب هابل قد حاول تصوير ما يدور داخل هذا السديم، إلا انه عجز عن ذلك بسبب كثافة الغازات، التي تعمل على تعتيم الضوء. غير أن تيليسكوب جيمس ويب استطاع أن يتجاوز هذه المشكلة بسهولة لأنه كما اشرنا سابقا يعتمد على التصوير بالأشعة ما تحت الحمراء.
الجرح الرابع
الكل يعلم عن الجروح الثلاثة الشهيرة، التي تحدث عنها مؤسس التحليل النفسي سيجموند فرويد. الجرح الكوبرنيكي الذي أزاح الأرض من المركز واستبدلها بالشمس. والجرح الدارويني الذي زحزح الإنسان من مركز مملكة الكائنات الحية، وجعله حلقة في سلسلة تطورية كبيرة. وأخيراً الجرح النفسي الذي قدمه فرويد نفسه، عندما أصبح الإنسان ليس سيدا حتى لبيته الخاص، أي لذاته ما دام أن هناك أشياء لا شعورية، تسكنه وتتحكم فيه دون أن يستطيع إزاءها أي شيء.
والآن في مطلع الألفية الثالثة، نعتقد أنه من الممكن الحديث عن الجرح الرابع، وهو جرح على ما يبدو سينزل علينا من الفضاء الخارجي. فالتطورات الكبيرة التي تحققها برامج غزو الفضاء، وتطوير التليسكوبات التي مكنتنا من سبر أعماق الكون، وتحصيل معرفة غير مسبوقة عن الأجرام والنجوم والكواكب. كل ذلك سيؤدي إلى توسيع نطاق الوعي الإنساني. بل أكثر من ذلك ربما سيتم تجاوز الشرط البشري. من دون شك سنضطر مستقبلا إلى إعادة تعريف الحضارة البشرية، لأنها بالتأكيد لن تظل محصورة فوق الأرض.
آلة الزمن
يعتبر جسم ويب خليفة للتليسكوب هابل، والذي رغم الخدمات الكبيرة التي قدمها إلا انه يظل محدوداً في إمكاناته. فهو باستطاعته أن يرى أبعد بكثير من سابقه بوساطة الكاميرا نيركام NIRCam التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، كما أنها مزودة أيضا بجهاز كرونوغراف، وهو جهاز يقيس ألوان الطيف من أجل معرفة الكواكب الخارجية، التي تدور حول نجومها والتي من المحتمل أن تكون شبيهة بالأرض.
مع هذه الصور الملونة والجميلة نعاين تشكل الكون، بعيد وقت قصير من الانفجار الأعظم، الذي حدث نحو 13 مليار سنة. يقول بين نيلسون:» إننا ننظر إلى الوراء لأزيد من 13 مليار سنة « وكأن هذا التليسكوب آلة زمنية تعود بنا إلى الوراء، من أجل قراءة تاريخ الكون الذي نعيش فيه. نغوص في الماضي من أجل دراسة الأحداث الكبرى التي شكلت كوننا.
بطريقة أخرى نقول، انه إذا كانت أشعة الشمس تصل إلى الأرض بعد حوالي ثمانية دقائق. هذا معناه أن الضوء الذي صدر عن تشكل أولى النجوم في الكون، لا يزال يسبح نحونا، وما يفعله جيمس ويب هو أنه يلاقيه في الطريق، ويقوم بتصويره كي يطلعنا على طبيعة هذه الأحداث الكبرى، التي شكلت الكون كما نرصده اليوم. إن دراسة ماضي الكون، يخبرنا في الآن ذاته عن المستقبل الذي ينتظر مجرتنا ومجموعتنا النجمية. مع هذه الصور الخمس إنها البداية فقط، فالعمل الذي قام به جيمس ويب واعد جدا. لذلك من دون شك ستنهال علينا صور أخرى، قد تكون أكثر إبهارا ودهشة.
والآن ها قد وصلنا إلى حافة الزمن، ولكن مع ذلك ماذا يوجد وراء الأفق؟ هل سنتمكن فعلا من اختراق «جدار ماكس بلانك» والاطلاع على ما يقع وراء الانفجار العظيم، كي نعرف ما الذي أوقد الشرارة الأولى في «البيضة الكونية» كما وصفها جورج لوميتر. أم أن الأمر سيظل خارج متناول أيدينا. تقول الكاتبة البريطانية جورج اليوت: «النجوم هي الفاكهة الذهبية لشجرة بعيدة المنال».
إننا نعلم أن جيمس ويب لا يصور فقط الضوء المرئي، بل هو يخترق بوساطة الأشعة ما تحت الحمراء السحب الداكنة والمخفية، التي لم يكن باستطاعة تليسكوت هابل الوصول إليها. لقد مكننا جيمس ويب من رؤية كل النجوم والمجرات. ولكن هل ما نراه هو وحده الموجود. حسب شذرة قديمة لاناكساغوراس: «المرئي يفتح أعيننا على غير المرئي». والطبيعة تحب الاختفاء كما ذكر هيراقليطس.
مع ذلك نحن بالكاد بدأنا، وما يعدنا به مرقاب جيمس ويب شيء يفوق الوصف، فقد لا تتمكن معارفنا النمطية، من استيعاب الاكتشافات الفلكية المقبلة. يبدو أن الأفق النهائي الذي ستتوقف عنده حدود المعرفة البشرية لا يزال بعيدا. فهل علينا أن نستلم لتناهينا ولمحدودية الشرط البشري هنا فوق الأرض. أم أننا علينا أن نتطلع نحو النجوم؟