الثلاثاء 24 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

لغة شعرية شاهقة توازي الراهن والمستقبل

لغة شعرية شاهقة توازي الراهن والمستقبل
27 أغسطس 2023 01:27

د. نزار قبيلات

الشعر لا يبتدع جديداً بقدر ما يعيد بث الروح والإحساس في الأشياء القابعة حولنا، فهو حيلة الإنسان الوحيدة لكي يقول ما كان يود أن يقوله أو ما فاته قولُه. في ديوان طلال الجنيبي الأخير «لولاه» والصادر عام 2022 عن دار نبطي للنشر نتعرف إلى شاعر لم تُغرِه حداثة قصيدة النثر، فظل وفياً للعموديّ الفصيح يحافظ على سمتِه وأسلوبيته الخاصة التي ما انفكت تُعلي من الجرس الإيقاعي قبل فكرة اصطياد المعاني، وتقديم صور فلسفية جديدة للواقع وأسئلته التي ما انفكت تلحّ على الشعراء، فالجنيبي، وبعد قراءة عجلى لديوانه حديث الصدور، من الشعراء الذين يُحسِنون المكوث طويلاً في المسافة القابعة بين المادي غير المتحقق وغير المحسوس الحاضر، فالشعراء عموماً يخفون عنّا دائماً سرّ تشكل رؤيتهم للعالم وطبيعة ذلك التبصّر الذي يملكونه، وهو ما يساعد قصائدهم على التغلغل في ثنايا الثنائيات الضدية التي نعيشها، فتعيد رسم سؤال الاستفهام لها بعيداً عن تقديم قصائد تخدم التجارب الخاصة والذات المنفصلة عن واقعها، لذا نشعر حين نتلقى هذه القصائد بأننا أمام من يريد أن يخلُص إلى حلٍّ أحاديّ ينهي هذا الجدل وعذاباته، ويسكن القصيدة التي تتحقق جماليتها ليس في وصف العذابات، بل في وضع الإجابات النابعة من تلك الثنائيات. يقول الجنيبي في قصيدته «تاريخ صبري»: إن الذي يثقل الغصن عطراً بقاؤك بين شعوري وشعري.
كثيراً ما يقدّم الشعراء في شهاداتهم الإبداعية إجابات عن تكوينهم الأدبي وعن أسلوبيتهم الشعرية وبصمتهم اللغوية الخاصة، لذا نراهم دائما يمرّون عبر دهليز الذكريات فستذكرون لحظة عبورهم لبوابة الشعر التي لم تتأتَ لكل من أرادها، فالشعراء في داخل عالمهم الشعري يحسّون كما نحسّ ويشعرون بنا، لكنهم في آن يملكون عصاهم السحرية التي ما إن تمرّ على الأشياء حولها حتى تصيبها بآهاب جديدة، وهو ما يشعرنا كقراء بأن الشاعر ينوب عنّا لحظة السؤال ويتكبد عناء الإجابة عنه فلا يقدم لنا إلا الجواب الشافي، وكأننا بذاك نكتفي بمشاهدة الشاعر وهو يكابد ويكافح من أجل إماطة اللثام عن الحيرة والكدر والعناء. يقول الجنيبي في ديوانه هذا: 
لن يعرف الحق إلا من طوى جدلاً * وعاد يشرع عقلاً في الميادين
وراج يبحث عن درب يحاوره * كي يقطف الوعي من بذل البساتين
بل بات يجمع من أطياف عالمه * روح الحقيقة من لبّ البراهين
 فالشعراء إذن مولعون بالبحث عن إجابات لأسئلة تحمل مفارقات حادة سببها كما ذكرنا الضديات التي تعيش معنا، والتي تحاصر فينا الحاضر والماضي والواقعي والمجازي، فالشاعر ببلاغته يحاول تجسيم الحائر فينا وتقديم ما يشبه الوصفة العلاجية له. يقول طلال الجنيبي في قصيدة «نخرف الضدان»: 
متعاركان على الحياة على الردى * متشاركان هوى غيابات الهدى
متعاكسان على وجود طارئ * غزل الشموس بظل ألوان السدى
 ولأنّ الجنيبي من أولئك الشعراء الذين ترهقهم الحقيقة فيعترف بأن البحث عن تلك الحقيقة ما هو إلا زخرفة في الحواشي: 
كزخرفة في حواشي الخيال * رأيت ملامح وجه الحقيقة
وبعض الذي لا يطيق الحضور * بغير العبارات غير الشقيقة. 
 ومن قال إن الشعراء حبساء خيالهم الجارف، فهم أيضاً في الخندق الأول حين يهدد أمرٌ ما الإنسان والبشرية، على أننا نلفت الانتباه إلى أن نظرية الأدب بعمومها وهي تحاول تبيّن علاقة الشعر بالإنسان والواقع كانت قد تجاوزت مفهوم المحاكاة والانعكاس وجعلت الشعر صناعة ذاتية لا نهائية، ومع ذلك لم تنقطع مهمة الشعر والشعراء عن التصدي للمحيط البيئي والاجتماعي وهو يضيّق الخناق على الإنسان. يقول الجنيبي مستذكراً زمن جائحة كورونا: 
أضحى كورونا وباءً كلما ركضوا * عنه اتقاءً بصدر الدرب يعترض
سد الطريق فصاح الخلقُ في قلقٍ * هلا ستسرق من أرواح من نبضوا 
 بقي أن نقول في هذه المطارحة العجلى لشعر طلال الجنيبي في ديوانه «لولاه» إنّ طلال من أولئك الشعراء الذين يُخلصون للموقف الشعري ويجيدون بلغتهم الشاهقة موازاة الراهن والمستقبل، وكذا الغور في صورة الإنسان أمام الطبيعة المجهولة، فقد حملت القصائد التي ضمها ديوان «لولاه» قصائدَ كثيرةً تصدر من القلب تارة ومن العقل تارة أخرى، ولأن الصور التي يرسمها غيرُ تقليدية فقد وضع الجنيبي في ديوانه هذا وعلى غير العادة صوراً فوتوغرافية إزاء كل قصيدة، صورٌ لا تعكس خطاب القصيدة بل ربما تجيب عن سرٍ من أسرار الكتابة الشعرية عند الجنيبي، وهي صور تعبر عن لقطة تفصّل القول في لحظة زمانية وبقعة مكانية زامنت لحظة التّجلّي تلك.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©