هالة الخياط (أبوظبي)
في وقت تتزايد فيه التحديات البيئية الناتجة عن التغير المناخي، ويواجه العالم آثاراً متصاعدة لارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة، يأتي احتفاء العالم بيوم البيئة العالمي في الخامس من يونيو تحت شعار «العمل للمناخ اليوم»، ليؤكد أهمية الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للحلول المناخية.
وفي هذا المشهد العالمي، تبرز دولة الإمارات باعتبارها واحدة من الدول الرائدة في تبنِّي سياسات ومبادرات عملية لمواجهة التغير المناخي، حيث نجحت خلال العقود الماضية في بناء نموذج تنموي يجمع بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، مستندةً إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت الاستدامة جزءاً أساسياً من مسيرة التنمية الوطنية.
وتعود جذور هذا النّهج إلى رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي آمن بأهمية المحافظة على الموارد الطبيعية وحماية البيئة، وهو الإرث الذي واصلت الدولة البناء عليه، عبر إطلاق استراتيجيات ومبادرات نوعية عزّزت مكانتها لاعباً مؤثراً في الجهود الدولية لمواجهة التغير المناخي.
المبادرة الاستراتيجية
وشكَّل إعلان «المبادرة الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي 2050» محطة تاريخية في مسيرة العمل البيئي للدولة، حيث أصبحت الإمارات أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تلتزم رسمياً بتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050. ويُعد هذا الالتزام أحد أكثر الأهداف المناخية طموحاً على مستوى المنطقة، إذ يستند إلى خطط متكاملة تشمل التحول في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والبنية التحتية وإدارة النفايات، بما يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق التنمية المستدامة.
كما أطلقت الدولة تحديثاً لمساهماتها المحددة وطنياً في إطار اتفاق باريس للمناخ، مستهدفةً خفض الانبعاثات بصورة متسارعة خلال العقود المقبلة، بما يعكس التزامها بالعمل المناخي العالمي.
الطاقة النظيفة
وتُعد الطاقة النظيفة أحد أهم محاور الاستراتيجية الإماراتية لمواجهة التغير المناخي، حيث استثمرت الدولة مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة المتجدّدة والنووية السلمية.
ويبرز في هذا الإطار مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، الذي يُعد من أكبر المجمعات الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم، فيما تُمثل محطة الظفرة للطاقة الشمسية في أبوظبي إحدى أكبر المحطات المستقلة للطاقة الشمسية عالمياً.
براكة
كما تُشكّل محطة براكة للطاقة النووية السلمية إنجازاً استراتيجياً بارزاً، إذ تُعد أول محطة للطاقة النووية متعددة الوحدات في العالم العربي، وتوفِّر كميات كبيرة من الكهرباء الخالية من الانبعاثات الكربونية، بما يسهم في خفض ملايين الأطنان من الانبعاثات سنوياً. وفي إطار رؤية الدولة لمستقبل الطاقة، أطلقت دولة الإمارات استراتيجية وطنية للهيدروجين تهدف إلى تعزيز مكانتها مركزاً عالمياً لإنتاج وتصدير الهيدروجين منخفض الكربون، باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة المستقبلية.
«مصدر» حضور عالمي
ولم تقتصر الجهود الإماراتية محلياً، بل امتدت إلى مختلف قارات العالم من خلال شركة «مصدر»، التي أصبحت إحدى أكبر شركات الطاقة النظيفة عالمياً.
حلول طبيعية للمناخ
إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة النظيفة، أولت الإمارات اهتماماً متزايداً للحلول الطبيعية القائمة على النظم البيئية.
وفي مقدمة هذه الجهود، تأتي مبادرات حماية وزراعة أشجار القرم (المانجروف)، التي تُعد من أكثر النُّظم البيئية قدرةً على امتصاص الكربون وحماية السواحل والحفاظ على التنوع البيولوجي.
النظم البيئية
وأعلنت الدولة التزامها بزراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول عام 2030، ضمن جهودها الرامية إلى تعزيز الحلول الطبيعية لمواجهة التغير المناخي ورفع قدرة النظم البيئية على التكيف مع المتغيرات المناخية.
مكانة دولية متقدمة
أسهمت هذه الجهود في تعزيز المكانة الدولية للإمارات في مجالات الاستدامة والعمل المناخي، حيث أصبحت الدولة مرجعاً إقليمياً في سياسات الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر.
كما تحظى التجربة الإماراتية بإشادة واسعة من المؤسسات الدولية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة، نظراً لقدرتها على تحويل الرؤى والاستراتيجيات إلى مشاريع ومبادرات ملموسة ذات أثر محلي وعالمي.
المحميات الطبيعية
تُولي الدولة أهمية كبيرة للحفاظ على التنوع البيولوجي باعتباره أحد الركائز الأساسية للاستدامة البيئية. وتضم الدولة شبكة واسعة من المحميات الطبيعية البرية والبحرية التي تسهم في حماية الأنواع المهددة بالانقراض وصون الموائل الطبيعية. كما نفّذت برامج رائدة لإعادة توطين الأنواع الفطرية والمحافظة على الحياة البحرية والشعاب المرجانية، إلى جانب مشاريع مراقبة النظم البيئية باستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
نقل أخضر
تواصل دولة الإمارات تطوير نماذج حضرية متقدمة تراعي معايير الاستدامة البيئية، وفي مقدمتها مدينة مصدر في أبوظبي، التي تُعد نموذجاً عالمياً للمدن منخفضة الانبعاثات.
كما شهدت الدولة توسُّعاً ملحوظاً في مشاريع النقل المستدام، بما يشمل المركبات الكهربائية ومحطات الشحن الذكية وشبكات النقل الجماعي، فضلاً عن تطوير معايير الأبنية الخضراء وترشيد استهلاك الطاقة والمياه في المشاريع العمرانية.
الأمن الغذائي
أدركت الإمارات مبكراً العلاقة الوثيقة بين التغير المناخي والأمن الغذائي، ولذلك أطلقت عدداً من المبادرات التي تستهدف تعزيز استدامة النُّظم الغذائية.
ومن أبرز هذه المبادرات الشراكة العالمية للابتكار الزراعي من أجل المناخ «AIM for Climate»، التي أطلقتها الدولة بالشراكة مع الولايات المتحدة، بهدف دعم الابتكار والاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً، وتعزيز قدرة الأنظمة الغذائية على مواجهة التحديات المناخية.
كما استثمرت الدولة في التقنيات الزراعية الحديثة والزراعة الرأسية والزراعة في البيئات الصحراوية، بما يدعم الأمن الغذائي ويخفّض استهلاك المياه.
COP28 محطة تاريخية
مثّلت استضافة الإمارات لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP28) محطة فارقة في مسيرة العمل المناخي للدولة. وشهد المؤتمر مشاركة قياسية من قادة العالم وصنّاع القرار والخبراء، وأسفر عن «توافق الإمارات» الذي اعتُبر خطوة تاريخية في مسار العمل المناخي العالمي، حيث دعا إلى تسريع التحول في أنظمة الطاقة وزيادة قدرات الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة عالمياً.
كما شهد المؤتمر إطلاق عشرات المبادرات الدولية في مجالات التمويل المناخي والطاقة النظيفة والأمن الغذائي وحماية الطبيعة.
الابتكار
ومع احتفال العالم بيوم البيئة العالمي، تواصل الإمارات ترسيخ نموذجها في العمل المناخي القائم على الابتكار والاستثمار والشراكات الدولية، مؤكدة أن حماية البيئة لم تَعُد خياراً تنموياً فحسب، بل مسؤولية مشتركة تتطلب عملاً مستمراً لضمان مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.