فاطمة عطفة
في عالم الفكر والبحث، حيث تتشابك الخيوط بين الماضي والحاضر، ويحتاج التراث إلى عقل بصير يعيد قراءته بوعي ناقد ومسؤول، يبرز الدكتور رشيد خيّون بوصفه واحداً من أبرز الأصوات الفكرية المعاصرة التي كرّست جهدها لبعث النصوص التراثية، وتحقيقها تحقيقاً علمياً دقيقاً، يراعي روح العصر دون أن يُخِلّ بأمانة التاريخ.

يعد خيّون مفكراً وأكاديمياً عراقياً مميزاً، حيث يجمع بين التكوين الفلسفي العميق، والمعرفة الموسوعية بالتراث الإسلامي، والوعي الحاد بمقتضيات الواقع الثقافي العربي. حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة العربية الإسلامية، ومارس التدريس والإشراف الأكاديمي، كما عمل محرراً ثقافياً، ونال جوائز مرموقة، منها جائزة الملك عبد العزيز في الدراسات التاريخية، وجائزة أفضل كاتب مقال لعام 2022 من منتدى الصحافة والإعلام في دبي. كما أصدر نحو ثلاثين مؤلفاً، شكّلت جميعها إضافات نوعية في مجالات الفقه والتاريخ والفكر الإسلامي، وغيرها من المؤلفات التي تحاور التراث وتعيد قراءته في ضوء العقل والتنوير.
هذا العام توّج الدكتور خيّون مسيرته بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن تحقيقه للمخطوطة النادرة «أخبار النساء»،الذي يعد إنجازاً نوعياً يسلط الضوء على قيمة التحقيق العلمي كجسر بين المخطوط المنسي والحضور المعرفي المتجدد.
وفي هذا الحوار الخاص، تفتح «الاتحاد» معه أبواب الحديث حول تجربته في هذا العمل، ورؤيته للمرأة في النص التراثي، وآفاق علم التحقيق، ومشاريعه المستقبلية.
في البداية يقول الدكتور رشيد خيّون: «تعد جائزة الشيخ زايد للكتاب واحدة مِن أهم الجوائز في مجال الكتاب، عربياً وأجنبياً، فهي تمنح للكتاب تأليفاً وتحقيقاً وترجمة. وهذه السنة الثانية التي أضيف بند تحقيق المخطوطات إليها، فتحقيق المخطوطات مجال ما زال بابه مفتوحاً، وما حُقّق من التراث المخطوط، على مدى أكثر من قرن ونصف القرن، لم يستوفِ التراث كاملاً. فما زال هناك الكثير مِن المخزون في خزائن المخطوطات العالمية والعربية، ناهيك عن الخزائن الشخصية».
ويضيف: «التحقيق علم، وأول من عمل فيه هم المستشرقون، فالتحقيق أحيا الكتب التراثية والتاريخية، ومع علمنا أن المفقود من المخطوطات قد يعادل الموجود منها، إذا لم يزد عليه».
ويؤكد خيون أن الفوز بالجائزة يمثل تقديراً لجهد الباحث فيقول: «الناس كافة يسرهم الاعتراف بنجاحاتهم، ويمسهم الحزن عندما لا يجدون مَن يثمن أعمالهم. ولا أخفي أني كنت أعتبر الفوز بهذه الجائزة واحدة من أبرز الأماني، فهي جائزة ذات تحكيم عالٍ ودقيق، يمر بمراحلِ عدة، حتى يصل العمل المرشح إلى القائمة القصيرة ثم نيل الجائزة».
فرادة المخطوطة
وعن طبيعة الكتاب يقول خيون: «عندما نقول إن الكتاب كان فريداً في نسخته، نقصد أنها الوحيدة في العالم. ومن المعتاد أن يعثر المحقق على عدة نسخ لكتاب ما، أما في هذا، فهي نسخة واحدة. وعندما نقول إنه فريد في عنوانه «أخبار النساء»، نقصد أنه لا يوجد كتاب تراثي مطبوع آخر، حتى اللحظة، بهذا العنوان».
ويتابع: «قد يظن البعض أن هناك كتباً مشابهة، ك«أخبار النساء» لابن الجوزي، المنسوب خطأً لابن قيم الجوزية، لكن هذا الأخير عنوانه الحقيقي «أحكام النساء»، وهو كتاب فقهي لا صلة له بموضوعنا».
وحول مضامين المخطوطة، يقول: «تناول الكتاب فئات متعددة من النساء: الأمهات، الأخوات، البنات، الزوجات، وعلاقاتهن بالأبناء والآباء والأزواج. كما تناول أوصاف النساء الجمالية، وورد القليل من الفقه في نهايته. أما أغراض الكتاب فهي متنوعة بين الأدب، والشعر، والسياسة، والإنسانية».

المرأة في التراث
وعن النظرة إلى المرأة في التراث، يقول خيون: «تختلف نظرة الرجال إلى النساء من عصر إلى آخر. فالنظرة التقدمية تعكس حداثة المجتمع. المرأة مقياس لتقدم المجتمع من ناحية تعليمها، وعملها، واشتراكها في شؤون الدولة. الدولة التي تشارك فيها النساء في القضاء والإدارة ليست كالدولة التي لا تقر بعقل المرأة ودينها». ويضيف: «علينا النظر إلى كتاب (أخبار النساء) أنه نتاج عصره. ورغم أن مؤلفه ابن منقذ عاش في القرن السادس الهجري، إلا أنه قدم صورة راقية عن النساء كسيدات مجتمع، مثقفات ومؤثرات في السياسة والأدب والفقه».
التحقيق علم
عن علم التحقيق ومكانته الأكاديمية، يرى رشيد خيون: «لست مع أن يُدرّس التحقيق كفرع مستقل. فهو مجال محدد بوجود المخطوطات. كما أن المحقق لا بد أن يكون متخصصاً في موضوع المخطوطة، لا يجوز لي أن أحقق مخطوطة في الهندسة أو الطب وأنا متخصص في التراث الإسلامي». ويتابع: «لكنني مع إدخال التحقيق ضمن مناهج العلوم الإنسانية، وتقديم دروس خاصة به، دون أن يكون له بكالوريوس أو دكتوراه مستقلة، فالتحقيق يُكتسب بالخبرة، وعلى المحقق الإلمام بما لا يلم به المؤلف أحياناً».
مشاريع جديدة
عن مشاريعه القادمة، يقول: «بعد إنجاز تحقيق «أخبار النساء»، كتبت كتاباً بعنوان: «صرعى العقائد: المقتولون بسبب ديني». كما أنجزت كتاباً آخر بعنوان: «تصالح الأحفاد بين العلويين والأمويين والعباسيين»، وسأقدمه قريباً للنشر، بهدف إطفاء نار الطائفية التي ابتُليت بها الأجيال».
ويضيف:«أطمح لتحقيق «رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء». فهي صدرت مطبوعة عدة مرات، لكنها لم تنل تحقيقاً علمياً حقيقياً، رغم أنها تمثل ومضة نور في القرن الرابع الهجري، قرن الإنجاز الفلسفي والعلمي».