الأربعاء 3 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: المزايدات والخطاب السياسي

د. عبدالله الغذامي يكتب: المزايدات والخطاب السياسي
13 سبتمبر 2025 10:20

تسود في الخطاب السياسي أنواعٌ من المزايدات تهيمن على لغة الخطاب وتفكيره، وتعمدٌ للعنف اللفظي وإغراق القول بالصفات التي تمعن في التجريح، وكأن العنف اللفظي متعةً أو نظرية أسلوبية، ونرى أمثلة لذلك في الثقافة العربية منذ الستينات، حيث تولدت ابتداءً في الإذاعات، وانتشرت في الصحف، وتحوّلت لمعسكرات وتحزبات وصلت إلى ألسنة الحكام، وتجلت بشدة عند معمر القذافي، ولم يكن مبتكراً هذا الخطاب، بل ورثه من سابقيه من زعماء الثورات الذين كانوا قدوته، وهذه عقدةٌ ثقافيةٌ أصبحت مزمنة مع وسائل التواصل العامة، وهي انفعالية وتصدر عن مواقفَ مسبقةٍ ولا تضع أي حيز للحوار أوالتفاوضية، رغم أن الوعي السياسي أصلاً هو وعي تفاوضي، ودون التفاوضية لا قيمة للتفكير ولا للسياسة، كما أن التحزب مضادٌ للرأي المستقل، ونتائجه غير إيجابية.

ومشكلة هذه المزايدات أن أي دخول فيها أو معها سيُفضي للعدوى كما الحال المرضية المعدية، وفي الثقافة عدوى وهي عدوى تصيب نظام التفكير ذاته ومن ثمّ أنظمة التعبير. ووسائل التواصل تكشف كيف تنشأ الحروب الكلامية بين العرب، حتى النخب منهم، حين تنفتح أبواب فتنة القول، وكلمةٌ تجر كلمات، وكما قيل فإن الحرب أولها كلام، على أن تحارب الحزبية العربية كارثي وكوارثها العملية مشهودة في سلوك أحزاب اليسار والإسلاموية معاً، ورغم العداء بينهما لكنهم كلهم في المزايدات على سكة واحدة، وإن سقطت الأحزاب الحاكمة بسبب انكشاف زيفها، فإن الخطاب الثقافي لما يزل يعاود الظهور وبعنف مفرط ولا يبالي بانكشافه، ولعله أصبح يستمتع بما يسمى عقدة الذنب، حين يقع الطرف الآخر برد فعل عنيف يجعل الأول يبادر بمزيد عنف تحت دعوى أن الآخر معتدٍ. والتوحش والعدوانية في حقيقتها هما سمات في الخطاب نفسه الذي هو فيروس ثقافي، إذا وقعت فيه أصابك بمقدار درجة تعرضك له، وقد كانت الإذاعات العربية في ستينات القرن الماضي تمارس خطابها المزري، وهو الأب الثقافي لخطاب الوسائل اليوم، حيث يزايد الكل على الكل مثل حال الحروب الأهلية حين يقتل الكل الكل وتضيع كل قيم السلوك السوي بين ذوي القربى، وتنتهي بخسارة الجميع.

والغريب أننا كلنا نعرف هذه الوصفة بكامل تفاصيلها، ومع هذا لما نزل عاجزين عن تجاوزها، ربما لأنها أصبحت نسقاً ثقافياً يزداد ترسخا كلما حاولنا مواجهته بعلامة أن أي تشخيص للحالة ينعكس ضد الباحث باتهامه أنه وأنه، وهي توصيفات من خصائص ثقافة المزايدة.

صحيح أن كلامي هذا لم يدخل في تفاصيل الحالة المرضية، ربما لأني أخشى من الإصابة، وهذه شعور يجعل المخلص جباناً كحال من يهرب لأي مهرب كي لا يتلطخ بدماء أهله في حرب أهلية ليس من جناتها ولكنه يصلي بحرها، كما حدث للحارث بن عباد، الذي تحوّل من داعية سلام إلى صانع حرب امتطى النعامة وسل سيفه وجن مع المجانين.

كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©