الخميس 5 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات: في الصناعة المعجمية والتّفكير النحوي

د. نزار قبيلات: في الصناعة المعجمية والتّفكير النحوي
2 نوفمبر 2025 18:50

هل سَبق علمُ النحو علمَ المعاجم؟ أم أنّهما جاءا بشكلٍ متزامن، المعروف أنّ العالم اللّغوي أحمد بن خليل الفراهيدي هو عالمٌ رائدٌ في الحقلين، فالدراسات التأريخية تشير إلى جهود متزامنة له في علمي النحو والمعاجم، إلا أنّ المدارس المنبثقة عن علم النحو كانت أوسع انتشاراً وأكثر حضوراً بعد أن نَظّمت هذا العلم ووضعت أصولَه وقواعده بفضل مدرستي البصرة والكوفة، فظهر هناك تباينٌ في القول النحوي وفي قواعده المعيارية، نتيجة تَنوّعٍ في فلسفات تلك المدارس النحوية وفي منهجياتها، تبعاً لآراء علماء كل مدرسة من هاتين المدرستين كالفراهيدي وسيبويه والفراء والكسائي وسواهم...، فقد أخذوا بالاعتبار حين وضعوا القواعد النحوية المعيارية شيئاً من التداول اللغوي وأيضاً اختلاف السياقات والقرائن المحيطة بمتحدِّثي العربية، فظلّ النحو العربي الضابط والحارس الأهم لسلامة اللغة وصوابيّتها. 
شرارة الانطلاق كانت حينَ لاحظ أبو الأسود الدؤلي واضِعُ أركان علم النّحو الأول بتوجيه من الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وجودَ اختلافٍ في فهم مُحدِّثه في جملةٍ حَملت دلالتي الاستفهام والتعجب في ذات الوقت، فقد راحت القصة تنتشر وتُدرّس ويستشهد بها نحوياً، وهي جملة «ما أجمل السماء»، فقد فرض ذلك الالتباس أهلية وجود معيارية صارمة لقواعد الإعراب وفق حالتي التعجب والاستفهام وغيرها... وذلك تبعاً للسياق المقامي.
لكن في المعجم كان الأمر مختلفاً بعض الشيء، فقد كانت المعاجم، خاصةً تلك التي جاءت بعد معجم العين للفراهيدي، والذي تُعرف دوافع تأليفه وسلامة منهجيته، كانت تزيدُ من رقعة اللفظ اللغوي كلما اطّرد التداول الذي ولّد معه ألفاظا جديدة وصلت حدّ الغرابة وقلّة الاستعمال، فهناك ألفاظ كثيرة مَنحوتة ومهجورة رغم عدم خروجها عن الأصل اللغوي، والسبب كما يراه بعض علماء الاستشراق اللغوي يَكمُن في أن المعاجم العربية قد أدخلت ألفاظا نادرة الاستعمال، كان قد ابتكرها أصحاب المهنة والحِرف، فمنها على سبيل المثال ألفاظ الخيل وأوصافه، فكثيراً ما نجد أسماء تدل على الخيل وهي في حقيقة الأمر أوصاف أطلقها أصحابها على خيلهم، إذ لم تكن ألفاظاً وليدة مجتمع تداولي متجانس، وهو ما برّر كثرة الأسماء والأوصاف وتعدّدها في المعجم العربي، لكن في الحوسبة الحديثة صار يمكن ضبط مدونة الأوصاف والمسميات والألقاب تلك في حال تعاون المدونون مع الحاسوبيين لحصر تلك الألفاظ وتمييز الأصيل والشائع من الطارئ والدخيل.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©