الثلاثاء 31 مارس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

قارب ماجان.. إبحار مع الذاكرة

متحف زايد الوطني يحتفي بقارب ماجان من خلال تنظيم برنامج ثقافي (من المصدر)
2 يناير 2026 01:05

سعد عبد الراضي (أبوظبي)

يستعد متحف زايد الوطني خلال الأيام المقبلة لفتح نافذة معرفية واسعة على أحد أكثر فصول التاريخ البحري في دولة الإمارات عمقاً وإلهاماً، عبر الاحتفاء بقارب «ماجان» بوصفه شاهداً حياً على عبقرية الإنسان في هذه المنطقة وقدرته المبكرة على التواصل وبناء الحضارات. ويأتي هذا البرنامج الثقافي بوصفه رحلة متكاملة تعيد قراءة الماضي بعيون معاصرة، وتمنح الزائر فرصة نادرة لمعايشة تاريخٍ لم يكن ساكناً، بل نابضاً بالحركة والتبادل والمعرفة.

يركّز البرنامج على إحياء المراحل المختلفة لمشروع بناء قارب ماجان، بدءاً من إطلاق الإصدار المعرفي «ماجان… اكتشاف متجدد»، مروراً بسلسلة من الأنشطة المختارة والتجارب التفاعلية الغامرة، التي تضع الزائر في قلب الحكاية، وتحوّل المعرفة الأثرية إلى تجربة حسية وتفاعلية. ولا يقدَّم القارب هنا بوصفه قطعة أثرية فحسب، بل باعتباره مفهوماً حضارياً يعكس مكانة المنطقة في شبكات التجارة والتواصل الثقافي والسياسي قبل آلاف السنين.
ويُعد مشروع قارب ماجان مبادرة بحثية تجريبية رائدة في علم الآثار، أُطلقت بتكليف من متحف زايد الوطني، التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وبالتعاون مع جامعة زايد وجامعة نيويورك أبوظبي. وانطلق المشروع من سؤال جوهري: كيف صنع الأسلاف قواربهم؟ وكيف أسهمت هذه القوارب في تشكيل ملامح الحياة الاقتصادية والثقافية في الخليج العربي؟ للإجابة عن ذلك، اعتمد الباحثون على الأدلة الأثرية والنصوص القديمة، وساروا بخطى دقيقة على درب التقنيات نفسها التي استخدمت قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
وقد أُعيد بناء قارب ماجان باستخدام المواد المذكورة في لوح طيني يعود إلى نحو عام 2100 قبل الميلاد، وبطول 18 متراً، معتمداً على القصب المحلي، والأخشاب، والحبال، وسعف النخيل، ومادة القار التي استخدمت قديماً للعزل المائي. وخضع القارب لاختبارات صارمة أثبتت كفاءته، إذ قطع مسافة 50 ميلاً بحرياً في مياه الخليج العربي، مؤكداً قدرته على الإبحار والتحمل كما كان يفعل في عصور سحيقة.
وجمع المشروع فريقاً دولياً يضم أكثر من 20 متخصصاً من خمس دول، من قيّمين وأكاديميين وعلماء آثار، إلى جانب بناة سفن تقليديين وطلبة من دولة الإمارات، في نموذج حي للتكامل بين البحث العلمي ونقل المعرفة عبر الأجيال. كما يشارك طلبة من جامعة زايد وجامعة نيويورك أبوظبي في أنشطة تعليمية وتوثيقية مرتبطة بالمشروع، بما يعزز ارتباطهم بتاريخهم البحري ويغرس فيهم قيم البحث والاكتشاف.
ومن خلال هذا المشروع، يرسّخ متحف زايد الوطني دوره بوصفه مؤسسة بحثية ومعرفية فاعلة، تسهم في تطوير وتنسيق البحوث الأثرية والتراثية، وتحويل التراث البحري لدولة الإمارات من ذاكرة محفوظة إلى معرفة حيّة، تبحر من الماضي نحو المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©