الشارقة (الاتحاد)
سلّط مجمعُ اللّغة العربيّة بالشّارقة، خلال المجلس اللّغويّ الحادي عشر، الضوءَ على «رحلة الأستاذ الدكتور سمير الدروبي مع التّأليف والتّصنيف»، وذلك بحضور الدكتور امحمَّد صافي المستغانميّ، الأمين العامّ لمجمع اللّغة العربيّة، ونُخبة من الأكاديميّين والمعلِّمين وخبراء اللّغة العربيّة، وأدار المجلسَ الدكتور أحمد عقيلي.
واستعرض الدكتور الدروبي خلال المجلسِ مَسارات البحث والتحقيق وأثَرَها في بناء المعرفة وصونِ التراث العِلميّ العربيّ، مع تركيز خاصٍّ على إسهامات العلوم العربيّة في الحقول التّجريبيّة والتّطبيقيّة، لا سيّما (عِلم الفِلاحة)، من خلال كتاب «الفِلاحة الأندلسيّة» لابن العوّام الإشبيليّ (ت: 580هـ) وما حمله من معارف أسهمَت في تشكيل مسارات النّهضة الأوروبيّة، مؤكِّداً أن بعض تجاربِه ومنهجيّته العِلمية ما زالت حاضرة وقابلة للتطبيق حتى اليوم. وافتُتح المجلس اللّغويُّ الحادي عشر بكلمة الدكتور امحمَّد صافي المستغانميّ، أكَّد فيها أهمّيّة الإصغاء إلى تجارِب العلماء في مجالات التّأليف والتّحقيق والتّصنيف، لِما تحمله من معرفة متراكِمة وخبرةٍ طويلة. وأشار المستغانميّ إلى أن ما يطرحه الدكتور سمير الدروبي خلال المجلس يقدِّم أنموذجاً حياً لمسار عِلميّ حياتيّ متكامل، جمَع بين البحث في التاريخ والحضارة والفِكر العربيِّ الإسلاميّ وفنّ المقامات. لافتاً إلى أن مثل هذه اللّقاءات تعكس رسالة مجمع اللّغة العربيّة بالشّارقة في إفادة المجتمع من الخِبرات العِلميّة، وتحويلِها إلى معرفة متاحة تعزِّز الوعي الثّقافيّ وتصِل بين الأجيال.
المقامات بوصفها معرفة
وأوضحَ الدكتور سمير الدروبي خلال المجلس أنّ تخصُّصَه في فنّ المقامات انطلَق من تجربته في تحقيق مقامات السّيوطيّ، مبيِّناً أنّ هذا الفنّ لا يقتصر على كونه نَصًّا قصصياً تقليدياً، بل يشكِّل حقلاً معرفياً متطوِّراً امتدَّ عبْر القرون في الشَّكل والمضمون. وبيّن أنَّ مقامات السّيوطيّ تناولَت موضوعات مستقِلَّة في الطِّبّ والنبات والفِلاحة والفلَك واللّغة والنّقد الاجتماعيّ والسّياسيّ، وأن العمل عليها فتَح له آفاقَ المكتبة العربيّة بمختلف فروعها، بعد أربع سنوات من جمْع النُّسَخ الخطّيَّة ومقابلَة النُّصوص. وأشار إلى أنّ بعض المقامات تحمل في ظاهرها معنىً مباشراً، بينما ينطوي باطنُها على دلالات رمْزيّة لا تدرَك إلّا بالقراءة المتأنّيَة وفهْم السّياق.
لغة سياسة و«بروتوكول»
وفي حديثه عن كتب الدّواوين والإنْشاء، قال الدكتور سمير الدروبي: «بلغَ التّراث العربيُّ في هذا المجال درجة عالية من التّنظيم والدِّقّة»، مشيراً إلى أنّ كتاب «التّعريف بالمصطلَح الشّريف» يمثِّل تحوُّلاً مفصلياً في تاريخ الإنشاء العربيّ؛ لأنّه لم يقتصر على البلاغة والأسلوب، بل وضَع الأطُر البروتوكوليّة الكاملة للمراسلات الرّسميّة وصيَغ المخاطبات. وأوْضحَ أنّ دواوين الإنشاء في الدّولة المملوكيّة أدّت دوراً مؤسَّسياً بالغ الأهمّيّة في حِفظ العربيّة، حتّى أصبحَت أشبَه بمجمع لغويّ، لا يدخلها إلّا كبار الأدباء واللّغويّين، وكانت الرسائل لا تصدر إلّا بعد تدقيق لغويّ صارم، ما أسهَم في تثبيت العربيّة لغةَ إدارة وسياسة ومَعرفة.
الفِلاحة العربيّة ونهضة أوروبا
حول تحقيقه لكتاب «الفِلاحة الأندلسيّة» لابن العوّام الإشبيليّ، الذي عاش في القرن السّادس الهجري، أشارَ الدروبي إلى أنّه يبرِز مكانة العلوم التّطبيقيّة في التّراث العربيّ، مؤكِّداً أنّ عِلم الفِلاحة كان ركيزة أساسيَّةً في تاريخ العلوم، وأنّ هذا الكتاب انتقَل إلى أوروبا عبْر ترجمات مبكِّرة إلى التّركيّة والأُرديّة والفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة، إضافة إلى ترجمة جزئيّة إلى الإنجليزيّة، قبل أن يحظى بتحقيق عِلميّ عربيٍّ رصين. وأوضحَ أنّ أثَر هذا العِلم تجاوز سياقه التّاريخيَّ؛ إذ أسهمَت معارفُه ومنهجه في قيام النّهضة الأوروبيّة عبْر حركة التّرجمة، وما زالت بعضُ تجاربِه صالحة للتطبيق حتّى اليوم.