فاطمة عطفة
في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بحماية الهوية الوطنية وتعزيز مكانة اللغة العربية، أوصى المجلس الوطني الاتحادي بإنشاء مجلس للهوية الوطنية واللغة العربية، إلى جانب إعداد تشريع مستقل يُعنى بحماية اللغة العربية وتطوير حضورها في مختلف المجالات، تأتي هذه التوصية في وقت تتسارع فيه التحولات التقنية والثقافية عالمياً، بما يفرض تحديات جديدة على اللغات الوطنية، ويستدعي تبنِّي سياسات ومبادرات قادرة على صون الموروث اللغوي والثقافي، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة به.
ويرى أكاديميون ومثقفون أن إنشاء المجلس وإقرار تشريع خاص باللغة العربية يمثّلان نقلة نوعية في الجهود الرامية إلى ترسيخ الهوية الوطنية، حيث يوفّران إطاراً مؤسسياً وتشريعياً لتوحيد المبادرات والبرامج المتعلقة باللغة العربية، وتعزيز حضورها في التعليم والإعلام والثقافة والفضاء الرقمي، مؤكدين أن الحفاظ على العربية يتطلب تحويلها إلى لغة معرفة وربطها بالتقنيات الحديثة.

أكد الدكتور محمد البشاري، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، أن إنشاء مجلس للهوية الوطنية واللغة العربية يمثّل خطوة استراتيجية لحماية التوازن بين الانفتاح العالمي والحفاظ على الخصوصية الثقافية، لأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل وعاء للذاكرة والقيم والانتماء الوطني.
وأضاف أن هذا المجلس يمكن أن يوحّد الجهود بين التعليم والإعلام والثقافة والتقنية، ويضع سياسات عملية لتعزيز حضور العربية في المؤسسات والفضاء الرقمي، وربطها بمشاريع المستقبل والذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية، مشيراً إلى أن تعزيز مكانة اللغة العربية يحتاج إلى تحويلها من لغة تعليم تقليدي إلى لغة معرفة وإبداع وحياة يومية، وذلك من خلال تحديث مناهج تعليمها، ودعم المحتوى العربي الرقمي، وتشجيع القراءة والكتابة والإنتاج الإعلامي بالعربية، مع حضور قوي للغة في الإعلام والمؤسسات الرسمية، خاصة أن اللغة تقوى عندما يشعر الشباب بأنها لغة نجاح وفرص وليست مجرد مادة دراسية.
وعن دور الأسرة والمدرسة في تعزيز دور اللغة العربية، يرى البشاري، أن للأسرة أهمية بالغة في هذا المجال، فهي المدرسة الأولى للغة والهوية، ومن خلالها يكتسب الطفل حُب العربية والثقة بها عبر الحوار والقراءة والاهتمام بالكتاب والثقافة، أما دور المدرسة فهو أن تجعل العربية لغة تفكير وإبداع، لا لغة حفظ فقط، وعندما يتكامل دورا الجهتين، تتشكل شخصية متوازنة تعتز بلغتها وهويتها. وأكد البشاري أهمية تطوير طُرق تعليم العربية لتصبح أكثر ارتباطاً بالحياة والتقنية والإبداع، كما ينبغي توسيع حضور اللغة في المنصات الرقمية وصناعة المحتوى ووسائل الترفيه الحديثة، خاصة أن الشباب يحتاجون إلى نماذج ناجحة تتحدث العربية بثقة، حتى يدركوا أن الاعتزاز باللغة يعبّر عن قوة ثقافية وحضارية لا عن انغلاق.

جهود متكاملة
وقال الشاعر الدكتور شهاب غانم: «إن اللغة العربية تُمثّل الركن الأهم في منظومة الهوية الوطنية، فهي الوعاء الذي يحفظ تاريخنا وثقافتنا وقيمنا، ومن خلالها يتعزز انتماء الأجيال لوطنهم وتراثهم، ومن هنا تأتي أهمية التوصية بإنشاء مجلس للهوية الوطنية واللغة العربية، الذي يمكن أن يقود جهوداً متكاملة لترسيخ مكانة العربية في المجتمع». وأضاف أن من أولويات المرحلة المقبلة وضع خطة عمل شاملة لتطوير تعليم اللغة العربية وتعزيز حضورها في المناهج الدراسية والبرامج التعليمية والإعلامية، كما أن الاهتمام بالمعلّم يُعد عاملاً أساسياً في تحقيق هذه الأهداف، من خلال استقطاب الكفاءات المتميزة وتأهيلها وتدريبها بصورة مستمرة، فالاستثمار في اللغة العربية هو استثمار في الهوية الوطنية، وفي مستقبل الأجيال القادم.
وأكد أن نجاح أي جهود تستهدف تعزيز اللغة العربية يتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، لأن مسؤولية الحفاظ على اللغة لا تقع على جهة واحدة، مشيراً إلى أن التحديات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تستدعي إنتاج محتوى عربي جاذب ومبتكر يخاطب الشباب بلغتهم واهتماماتهم، ويعزّز ارتباطهم بالعربية بوصفها لغة معاصرة قادرة على مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية. وأوضح أن اللغة العربية تمتلك من المرونة والثراء ما يؤهلها للقيام بهذا الدور، شريطة توفير البرامج والمبادرات التي تُشجع على القراءة والكتابة والإبداع بها، بما يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعميق الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة.

خصوصية
وأوضح الدكتور عمر عبد العزيز، مدير الدراسات والنشر في دائرة الثقافة بالشارقة، أن اللغة العربية هي عنوان هويتنا وعبقرية ديننا وتاريخنا، فاللسان العربي دليل الهوية العربية، بل معنى الخصوصية بشمولها الأخلاقي والحياتي، مؤكداً أن قرارات المجلس الوطني الاتحادي تصبُّ في مجرى الحفاظ على العربية، بوصفها التعبير الكامل عن الهوية.
مشيراً إلى أن اللغة العربية هي الوحيدة التي تنزّلت بكامل عناصرها منذ قرون بعيدة، وأبقت على خصائصها الفريدة حتى يومنا هذا، والحديث عن العربية يطول، والإبحار في فرادتها النحوية والصرفية والبيانية والإبداعية لا يمكن بسطه، وعليه يصبح أي إجراء يُعيد الاعتبار للسان العرب من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها، لأن مَن يفقد لغته يفقد هويته دون ريب.

خطوة مهمة
ويرى الروائي محمد الحبسي، أن إنشاء المجلس خطوة مهمة تخدم اللغة العربية والهوية الوطنية بشكل عملي، حيث يوفر المجلس إمكانية إجراء البحوث الميدانية والدراسات والاستبيانات، وجمع التوصيات، والوصول بطُرق علمية لسبل تعزيز حضور اللغة العربية في المجتمع، مشيراً إلى أن العربية ليست مجرد لغة أو مادة في المدارس والكليات المتخصصة، بل هي سجلٌّ تاريخي يحفظ الهوية والذاكرة والثقافة والانتماء.
وأضاف الحبسي أن من أهم المكاسب التي سوف يحققها هذا المشروع وصول العربية إلى الشباب والارتقاء بحصيلتهم اللغوية من خلال المنصات الرقمية والوسائل التكنولوجية التي تُمثّل أسرع طريق لاستقطاب هذه الفئة الهامة.
وتابع أن الأسرة والمدرسة يحملان مسؤولية أساسية، فالبيت هو المدرسة الأولى، ومن المهم استخدام العربية في البيت وتجنُّب نُطق الكلمات الإنجليزية وسط الجمل العربية، حيث أكدت الدراسات أن الطفل، مع الوقت، لا يستطيع التفرقة بين اللغتين، ويعتاد على هذه الطريقة في الكلام، لذلك تحتاج هذه المهمة إلى تعاون من الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية لاستقطاب فئات الشباب واليافعين، وتسهيل تفاعلهم مع العربية بأسلوب سهل وممتع، يساعدهم على الاعتزاز باستخدام اللغة في حياتهم اليومية.