علي عبد الرحمن (القاهرة)
في روايته الأولى «درب الصفا»، يعود الباحث والشاعر عبد الرحمن الطويل إلى واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ المصري، مستعيداً مدينة الفسطاط خلال القرن الثالث عشر، في الفترة التي شهدت انتقال السلطة من الدولة الأيوبية إلى الدولة المملوكية في عهد السلطان الظاهر بيبرس، ولكن الرواية لا تنشغل بالتاريخ بوصفه سجلاً للأحداث السياسية، بقدر ما تتخذ منه إطاراً لحكاية إنسانية تبحث في علاقة الفرد بزمنه، وبالمكان الذي ينتمي إليه، وبالأسئلة التي تواجهه حين تتغير الظروف من حوله.

تتمحور الرواية حول حبيب بن عمران، الشاب الذي يجد نفسه في مواجهة سلسلة من الأزمات الأسرية والعاطفية، بينما يعيش مجتمعاً يمر بتحولات كبرى، ومن خلال رحلته في البحث عن ذاته، يطرح الكاتب سؤالاً أساسياً: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على هويته الداخلية في زمن تتبدل فيه القوى والأحوال؟.
رحلة البطل
وتحمل وصية الأب عمران لابنه: «من عاش في درب الصفا صفا» المفتاح الرمزي للرواية، فهي قاعدة تحكم رحلة البطل بأكملها، فالصفاء الذي تشير إليه العبارة يعني القدرة على مواجهة هذه الصعوبات من دون فقدان جوهر الإنسان. اختار عبدالرحمن الطويل أن يجعل من الفسطاط أكثر من مسرح للأحداث، فالمدينة في الرواية حاضرة بذاكرتها وتاريخها، وتشكل جزءاً من تكوين الشخصيات، كما إنها عنصر مؤثر في وعيهم وانتمائهم، ومن خلال هذا الحضور، تتحول الفسطاط إلى رمز للعلاقة بين الإنسان وجذوره، وبين الحاضر والماضي.
وتكمن أهمية الرواية في هذا المزج بين التاريخ والتجربة الشخصية؛ فالأحداث الكبرى تنعكس على أحلامهم ومخاوفهم واختياراتهم، فالتغير السياسي الذي تشهده مصر في تلك المرحلة يصبح قوة تؤثر في مصير حبيب وفي نظرته إلى العالم من حوله. ومن هنا تخرج «درب الصفا» من إطار الرواية التاريخية التقليدية إلى مساحة أوسع، حيث يصبح الماضي وسيلة لفهم الإنسان، فالقضية الأساسية كيف يعيش الإنسان وسط التحولات، وكيف يحافظ على توازنه حين يفقد العالم من حوله ثباته.