الأحد 9 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: جُمل بلا كلمات

د. نزار قبيلات يكتب: جُمل بلا كلمات
9 أغسطس 2026 01:30

هل كل ما تقوله لنا الجُمل حقيقي وواقعي، أم أنه مجرد إيهام بالواقع، وخيال مصنوع وغير طبيعي؟ هذا سؤال غير مريح حقيقة، فقد كثرت الدراسات النقدية، لا سيما قبل عصر موت المؤلف والرومانسية وما لحقها من سيميائيات وتفكيكيات وسواها التي تقول بعلاقة المتخيل والواقعي، مُحاوِلةً فك ارتباطهما عن بعض، فهذا الاصطلاح الذي أُخذ منه عنوان هذا المقال، محاولة لإعادة ترتيب ثنائية الواقع بالخيال، الحقيقي بالمجازي، حيث الجمل مصفوفة ورقية، في حين الكلمات إحالات إلى واقع حقيقي وملموس، فكلمة شجرة على سبيل المثال تشير إلى شجرة ممكنة وواقعة، لكن جملة الريح تسلّم على الشجر، فإنها جملة بمدلولات وأحداث أبداً لم تقع، ولن تقع، ولا يمكن توقُّع وقوعها حتى، إذاً فما جدوى الأدب، وما جدوى ما يكتب اليوم تحت كل ما نسميه أدباً؟ ففي العصر الإغريقي نشأ الأدب ليكون محاكاة، وذلك قبل أن يحاول العبث بسجلات الواقع، رغبةً منه في تمثيل مَن لم يمثّله الواقع ولم ينصفهم، بيد أنه بعد ذلك وفي زمن الأوروبية المركزية تحديداً انفصل الأدب عن الواقع وقطع صلته به تماماً، لتصبح الكلمات للواقع، والجُمل للأدب.
فتأثير الكلمات يظلّ مغايراً ومختلفاً عن تأثير الجمل، رغم اتساع معين الجمل واحتضانها للكلمات، فما يظهر في الكلمات هو في الحقيقة مفاهيم مجردة وملموسة جرى لاحقاً صوغها وقولبتها وتزييف علاقتها مع الكلمات الأخرى، بهدف بناء عالم موازٍ ومتخيّل كان موجوداً في الأذهان أو في الماضي السحيق، وأحياناً عالم يؤمّل وجوده. أما التأثير الانفعالي والعاطفي للجُمل فقد ظل تأثيراً شعورياً سريعاً ما ينقضي ويذوي بمجرد تذوّقه، في حين ظلت الكلمات بيننا، نحتاج إليها، ليس لبناء ذلك المعراج المتخيل، بل للتواصل والكشف والوضوح، غير أن الجمل لم تُوضّح وتكشف بقدر ما أوضحته الكلمات، لأنها في الحقيقة مارست وظيفة يقول البعض عنها إنها نبيلة، لا سيما حين قامت الجمل باستحضار عالم مهذّب وأخلاقي وسامٍ. ومن أجمل الأوصاف التي أُطلقت على الأدب هي أنّه جاء لكي يقرأ على مسامعنا الكون، وهنا فإن ما نقرأه أيضاً ليس مُلزماً وحاسماً ومبرهناً، بقدر ما هو صناعة وإثبات على أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على تخيّل واقعه وصوغه.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©