دينا جوني (أبوظبي)
أكد خليفة الرميثي، مدير إدارة المشاريع الوطنية والشراكات الاستراتيجية في أكاديمية «مجرى» التابعة للصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية، أن نجاح المؤسسات في المستقبل لن يُقاس بحجم المبادرات التي تُطلقها، بل بقدرتها على تحقيق أثر ملموس وقابل للقياس، مشيراً إلى أن الاستدامة لم تَعُد وظيفة متخصّصة أو نشاطاً موازياً للأعمال، بل أصبحت جزءاً من نموذج العمل المؤسِّسي نفسه.
ولفت الرميثي إلى دور أكاديمية «مجرى» في بناء القدرات الوطنية وإعداد جيل جديد من المتخصصين وقادة الأثر القادرين على تحويل مبادئ الاستدامة والمسؤولية المجتمعية إلى نتائج اقتصادية ومجتمعية.
وقال: إن التحدِّي الأبرز في مرحلة الاستدامة الحالية لم يَعُد مرتبطاً بالتمويل أو التشريعات، بقدر ارتباطه ببناء القدرات البشرية القادرة على قيادة التحول المؤسّسي وتحويل التوجهات الوطنية إلى أثر ملموس وقابل للقياس.
النتائج أهم
وقال الرميثي، في حوار مع «الاتحاد»، إن السنوات الماضية شهدت تطوراً كبيراً في السياسات والأُطُر التنظيمية والالتزامات المؤسسية المرتبطة بالاستدامة، إلا أن بناء القدرات لم يواكب دائماً سرعة هذا التحول، مشيراً إلى أن السؤال المطروح اليوم لم يَعُد يتعلق بوجود السياسات أو الموارد، بل بمن يقود هذا التحول داخل المؤسسات. وأضاف أن الاستدامة لم يَعُد وظيفة متخصصة أو إدارة منفصلة، بل أصبحت مهارة قيادية ومؤسسية تتطلب فهماً للحوكمة وإدارة المخاطر وقياس الأثر وإدارة القيمة طويلة الأمد، الأمر الذي يجعل الاستثمار في المعرفة والمهارات من أهم استثمارات المستقبل.
وأوضح أن المؤسسات تشهد تحوّلاً جوهرياً في طريقة تقييم نجاحها، فبعد أن كانت تُقاس بما تنفقه أو تعلنه من مبادرات، أصبحت اليوم تُقاس بما تحققه من نتائج فعلية، ما جعل مفاهيم الأثر القابل للقياس والإفصاح والشفافية عناصر أساسية في تقييم الأداء المؤسسي. وأشار إلى أن العالم ينتقل تدريجياً من ثقافة إدارة الأنشطة إلى ثقافة إدارة النتائج، وهو ما يعزّز أهمية بناء القدرات المرتبطة بقياس الأثر وتحليل البيانات وصناعة القرار القائم على الأدلة.
بناء المعرفة
وفي هذا السياق، وصف الرميثي «أكاديمية مجرى» بأنها استثمار وطني في البنية المعرفية لمنظومة الأثر المستدام، مؤكداً أن التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة لا يعتمد فقط على السياسات أو الاستثمارات، بل يحتاج أيضاً إلى كوادر قادرة على ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية. وأضاف أن بناء المعرفة والمهارات يعني بناء القدرة على تحقيق أثر أوسع وأكثر استدامة. وتهدف الأكاديمية، التي أطلقها قبل أسبوعين معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، إلى دعم الأولويات الوطنية وبناء كفاءات قادرة على تحويل مفاهيم الاستدامة والمسؤولية المجتمعية إلى نتائج ملموسة وأثر قابل للقياس داخل المؤسسات. وتُعد الأكاديمية مظلّة وطنية لتأهيل الكفاءات في مجالات المسؤولية المجتمعية والاستدامة والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، بما يدعم توجّهات الدولة نحو تعزيز الأثر المستدام والقابل للقياس.
الاستدامة
وأشار إلى أن ربط المسؤولية المجتمعية والاستدامة بالأداء المؤسّسي يُعد من أبرز التحولات التي يشهدها العالم اليوم، موضحاً أن المسؤولية المجتمعية لم تَعُد تُنظر إليها كنشاط منفصل عن الأعمال، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمرونة المؤسسة وقدرتها على إدارة المخاطر وتعزيز السمعة وجذب الاستثمارات وتحقيق النمو طويل الأمد. ولفت إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحاً في المستقبل ستكون تلك التي تتعامل مع الاستدامة باعتبارها جزءاً من نموذج الأعمال نفسه، وليس مجرد مبادرة موازية له.
وأكد الرميثي أن القدرة التنافسية للدول باتت ترتبط بصورة متزايدة بجودة رأس المال البشري والمعرفي، موضحاً أن امتلاك كوادر قادرة على إدارة الاستدامة وقياس الأثر وقيادة التحول المؤسسي يعزّز قدرة الدولة على جذب الاستثمارات النوعية ورفع كفاءة القطاع الخاص وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة. وقال إن بناء القدرات لم يَعُد قضية تعليمية فحسب، بل أصبح قضية اقتصادية وتنموية واستراتيجية.
لغة مشتركة
وحول الدور المستقبلي لأكاديمية مجرى، أوضح أن قيمتها الحقيقية تكمن في إسهامها ببناء لغة مشتركة للأثر بين مختلف القطاعات، مشيراً إلى أن توحيد المفاهيم والمنهجيات والمعايير المرتبطة بالاستدامة وقياس الأثر يسهم في تحقيق نتائج وطنية أكبر وأكثر وضوحاً. وأضاف أنه على المدى الطويل يمكن للأكاديمية أن تسهم في إعداد جيل جديد من المتخصصين وقادة الأثر القادرين على مواءمة جهود القطاع الخاص مع الأولويات الوطنية، وتحويل الاستدامة من مفهوم نظري إلى ممارسة مؤسسية تحقق قيمة اقتصادية ومجتمعية وبيئية مستدامة.