الإثنين 31 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

كونغرس العربية.. دعم للهوية وبناء للقوة الاقتصادية

علي بن تميم
30 أغسطس 2026 00:15

د. علي بن تميم*

 

لا يمكن النظر إلى التحولات التي يشهدها الاقتصاد الإبداعي اليوم بمعزل عن التحول التقني الذي يعيد تشكيل العالم. فالذكاء الاصطناعي، واتساع حضور المنصات الرقمية، وتغير أنماط الإنتاج والاستهلاك، أصبحت عوامل تعيد تعريف القيمة نفسها: كيف تُنتج، وأين تتشكل، ومن يملك القدرة على تحويلها إلى أثر اقتصادي مستدام.
وفي هذا المشهد، يتقدم الاقتصاد الإبداعي قطاعاً يمزج بين المعرفة والتكنولوجيا والموهبة، إذ يسهم بما يتراوح بين %0.5 و7.3من الناتج المحلي الإجمالي للدول، ويستوعب ما بين %0.5 و%12.5 من القوى العاملة، فيما تضاعفت صادرات السلع الإبداعية أكثر من ثلاث مرات ونصف خلال العقدين الماضيين، وارتفعت صادرات الخدمات الإبداعية إلى ما يقارب ثلاثة أمثالها خلال العقد الماضي. وهي أرقام تؤكد أن الإبداع بات جزءاً من اقتصاد الدول.
وتقف الرقمنة في قلب هذا التحول؛ فهي التي أعادت تشكيل نماذج الأعمال، ووسعت نطاق البث التدفقي والمنصات الرقمية، ودفعت قطاعات مثل ألعاب الفيديو والموسيقى وصناعة الأفلام إلى مساحات أكبر من التكامل والتعاون، الأمر الذي يجعل الصناعات الإبداعية منظومة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع المحتوى الإبداعي، والموهبة مع رأس المال، والإبداع مع السوق.
غير أن هذا التحول يضع اللغة العربية أمام سؤال يتجاوز حضورها الثقافي إلى موقعها في اقتصاد المستقبل. فاللغة العربية، التي يتحدث بها نحو 450 مليون إنسان، لا تزال تمثل أقل من 1% من المحتوى الرقمي العالمي، ويقارب حضورها في بيانات تدريب النماذج اللغوية الكبيرة النسبة نفسها. وهذه المفارقة تكشف فجوة بين الثقل البشري والحضاري للغة وبين حضورها في البنية الرقمية الجديدة.

ولا تعد المسألة، في ضوء ذلك، مرتبطة بكمية المحتوى العربي وحدها، ولكن بقدرة اللغة العربية على امتلاك الأدوات والمنصات والتقنيات التي تجعلها شريكاً في إنتاج المعرفة والقيمة، لتخرج من نطاق الموروث الثقافي وتتسع إلى بيانات، ونماذج، ومعايير، وحقوق، ومنصات، وأسواق.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في العربية استثماراً في أصل اقتصادي ومعرفي، فتطوير تقنيات معالجة اللغة الطبيعية، وبناء مجموعات البيانات العربية، وتعزيز أنظمة الملكية الفكرية، وتطوير التعليم الإبداعي والمنصات الرقمية، تشكل أجزاء من بنية واحدة تسهم في فتح فرص اقتصادية واسعة. وتشير التقديرات إلى أن بناء هذه المنظومة يمكن أن يتيح أكثر من 40 مليار دولار من الأرباح سنوياً خلال العقد المقبل.
كل هذا يمنح كونغرس العربية والصناعات الإبداعية في دورته الخامسة أهمية تتجاوز كونه ملتقى للحوار. فشعاره لهذا العام «العربية بوصفها بنية حضارية: الهوية والمعرفة والقوة الاقتصادية في العصر الرقمي» ينقل النقاش من حماية اللغة إلى الاستثمار فيها، ومن قياس حضورها إلى بناء قدرتها على التأثير، وهو الدور الذي يضطلع به بالأساس مركز أبوظبي للغة العربية.
تكمن أهمية الكونغرس في جمع الخبراء والأكاديميين وصناع السياسات والمستثمرين والمبدعين من جانب، وفي توفير مساحة لتحويل النقاش إلى مسارات عملية تتصل بالشراكات والاستثمار والإنتاج، وبالأطر التنظيمية والبنية التكنولوجية، وبإعداد المواهب وحماية الملكية الفكرية. 
وهنا يصبح عامل الزمن حاسمًا. فالدول التي تستثمر اليوم في البيانات والنماذج والأدوات الرقمية ستكون أكثر قدرة غداً على تحديد معايير السوق وشروط المنافسة. ومن يشارك في بناء اقتصاد المحتوى العربي، وتطوير تقنياته ومنصاته، يشارك في تحديد موقعها في النظام الاقتصادي والمعرفي المقبل. وفي هذا السياق، تتصل استضافة أبوظبي لهذا الحوار بدور أوسع تضطلع به دولة الإمارات في تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، بما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية 2021-2031، التي تستهدف رفع مساهمة هذا القطاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب توسيع قاعدته المؤسسية والمهنية.
لهذا، فإن الرهان الحقيقي يتعلق بقدرة اللغة العربية على الحضور في الفضاء الرقمي وأن تكون جزءاً من صناعته. فالفارق كبير بين لغة تستهلك التكنولوجيا ولغة تسهم في تشكيلها، وبين محتوى يجد طريقه إلى المنصات ومحتوى يملك أدوات إنتاجه وتوزيعه وتحويله إلى قيمة.
ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار في العربية دفاع عن مكانتها واستثمار في مستقبلها؛ امتداداً للهوية، وبنية للمعرفة، ورافداً للاقتصاد، وأداة لحضور عربي أكثر تأثيراً في العالم الرقمي.
* رئيس مركز أبوظبي للغة العربية

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©