الأحد 27 سبتمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: على الباب موجة

د. نزار قبيلات
27 سبتمبر 2026 13:28

من أبرز ملامح السّرد الإماراتي احتفاظه بالمكان، رغم قسوة الارتحال وتعدّد رُكّاب البحر وسلاطينه الذين طَمعوا به، فحين تقرأ أيَّ سردية إماراتية يستقر في ذهنك أن السّرد في الإمارات فنٌ وبحرٌ وحِرفَة وليس مُتعة، تماماً كما هو «السّرود» الذي كان الإماراتيون يصنعونه من سعف النخيل.
وفي سيرة أحمد راشد ثاني تتجلى لنا قصة المكان بمظاهره المختلفة: البحر، والجبل، والسهل، والوادي، فكما أن البحر سردٌ لا نهاية لحكايته استوحى منه الإماراتيون حياكة «السرود»، تطرق الذكريات مخيال أحمد راشد كالموجة التي تطرق بدورها باب البحر، فتذكره بحياة لم تطمسها الأيام. ففي الإمارات سردٌ وذاكرة وموجٌ يحمل الشمس الغاربة في المساء، وفي الصباح يوشوش للشاطئ قصة قرية أحمد راشد «خورفكان» أو «خور الفكين» كما يذكر، فقد بدأ أحمد نسج سرديته منطلقاً من حكاية البيت، والزّرع، والمرض، والأسمنت، والموت، و«المالد»، والرائحة.
يقول أحمد راشد: «خورفكان، ذلك الميناء الصغير، المغلف بالجبال، الشبيه بالقوقعة، أو بيضة ديناصور صخري منقرض». يحاول كُتّاب فن السيرة الذاتية دائماً إسباغ الألفة على مكانهم الأول، رغم احتمال سردهم للقسوة والمعاناة والمأساة، فمن البيت المعترض إلى الحي، يعنون أحمد الفصل الثاني بـ «المديفي»، ليخرج بكاميرته القلمية من «حوش» البيت إلى حي «المديفي».
وعبر هذه الأمكنة يسيل سرد أحمد راشد جارفاً معه تفاصيل أعمق من الخبر وألذّ من السرد، ليكشف عن علاقات التجارة والبحر بين دبي والشارقة، وعن اللهجات، والطقوس، والحمير، والشخصيات الغريبة التي حفظها هو ونسيها الآخرون. كانت خورفكان جرة السرد في سيرته، وكانت لحظة الانطلاق من عتبة بيت الطفولة، حيث الأبواب تطل على الجبل والبحر.
يقول أحمد راشد: «الليل حياة الجبل، أما على البحر فالليل يمشي بلا ذراعين». والسرد اعتراف ومواجهة كاشفة، واستخدام شخصي للغة، لذا يمر أحمد بقلمه على قصة زواج والديه، وعلى لحظات لا تُنسى في الشارقة ودبي وما بينهما. وظل موجٌ يضرب شاطئ قرية عرفت شخوصاً وأحداثاً وأمكنة اختفت، غير أن الموج ظلّ يطالب بعودتها وهو يطرق باب أحمد راشد. ومن القصص التي يردّدها كُتّاب السرديات الإماراتية قصة غياب الأب في البحر.
يقول أحمد: «حياتي وأمي في ذلك البيت الواسع كانت تملؤها الكثير من المخاوف في ظل غياب أبي المستمر في البحر...»، فقد كان الصيد سبيلاً للحياة، لكنه قد يكون نهايتها، فالأمواج هي وحدها من يجلب الأخبار.
وكان الجلوس أمام موج البحر فعلاً تخاطبياً وطقساً اجتماعياً، كما تروي السرديات الإماراتية، لا مجرد استجمام، فقد علّم البحر الصيادين الصبر، وعلّم الموج أسرهم وطأة غياب الآباء. فالإماراتي يعرف البحر أكثر من غيره، ويراه كائناً غامضاً ورهيباً ورقيقاً، على حدّ وصف صاحب الموجة التي ظلت الشاهد الأخير على طفولة تريد الموجة لها أن تعود.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©