الأحد 13 سبتمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: لذّة القلم

د. نزار قبيلات يكتب: لذّة القلم
13 سبتمبر 2026 01:37

فقدنا صحبة القلم والخط بغفلةٍ منا، وكأننا سرقنا دون أن نشعر، وذلك منذ أن حلّ عصر الشاشة بديلاً عن القلم والطاولة والمحبرة، فحالت الشاشات بيننا وبين الرسائل والطوابع والأوراق والمحابر، وحرمتنا إذ ذاك من متعة من متع الإنشاء وهي بلاغة الكتابة والمحو، فصارت الكلمة تتشكل دون عناء، فقط بمجرد الكبس على الزر، ففي القلم كنا نرى الكلمات وهي تندلق على الورقة من فوهة القلم، ونراها تتدحرج أمامنا وكأنها عقد فريد، فقد بات النقر بديلاً عن تلك الانسيابية والحركة الموجية التي تصحب الكلمات والحروف وهي تخرج من قلب البياض، فقد كان القلم امتداداً للعقل يعبر من خلال اليد، يسمعنا رنين الحروف وبرق الكلمات، ويرينا صولجان الأفكار، فكان القلم يعبّر بصدق عن تلك الخلجات التي تحدث في العقل قبل موعد ولادة الأفكار.
وكان بطء الكتابة أيضاً خلقاً رفيعاً، قبل أن يغدو اليوم عيباً لا مرئياً، فقد كان بطء الكتابة هذا تمهلاً ووقاراً قبل أن تتكاثر الكلمات على الورقة وتتجلى الأفكار من بين الفقرات، فالكتابة بالقلم رسم واحتواء، وفي الشاشة تبعية بلا دسم أو طعم، فقد كان القلم دائماً علامة دالة على الثقافة والوعي والمعرفة، غير أنه اليوم يدل ربما على الكلاسيكية ورفض الحداثة، بعد أن أخفت الحواسيب والهواتف هوية الكاتب ومكانته، وبات القلم علامة البطء وبداية التعلم والأوراق المكدسة، فقد كان القلم قبلاً محراباً للعزلة، لا يقارن بالشاشة التي تفتح لك نوافذ وقنوات تشتيت كثيرة، فالقلم هيبة ووقار وسكينة.
فاليوم تعطي الشاشات النتائج بسهولة وسرعة، وتشارك أيضاً في صناعة النصوص التي نكتبها، إذ لم تَعُد تمنحنا وقتاً للتأمل والابتهال والتردد، فالقلم لا يأمرنا كما تفعل الشاشة حين تطلب منا أن نحذف ونعدّل وننسخ ونرسل... فقد كان القلم يقوم بكل الكتابة حين كنا نُمسكه ونمنَحه شرف المسير على خط الصفحة الأزرق الصغير. لقد كان القلم لنا جميعاً قبل أن تفرّقنا الشاشات ومجموعات الواتساب وتقييدات التطبيقات المختلفة.
نعم، كان للقلم مهابة وحضور، يجلس على صدر المكتب وفي مقدمته، قبل أن تسرقنا الشاشات وتبعدنا عن بعض، فلم نَعُد نسمع صريف القلم، ولا نرى ألوانه وهي تزين الدفاتر والكتب ورفوف الكتب والطاولات وقمصان الكتاب والموظفين والطلاب والمهندسين.... كان القلم يقدم هدية للذكرى. أتذكرون؟ قبل أن يجفّ حبره، ويكسر رأسه، ولا يعود يزين أثواب الرجال ولا حقائب الصغار.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©