الأحد 30 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: الدعاء واللغة

د. نزار قبيلات
30 أغسطس 2026 00:15

الدعاء خطاب حميم ودافئ، وهو من أقدم الأصناف الأدبية التي عرفها الإنسان، وهو خطاب استجدائي يصدر من الأدنى إلى الأعلى، وفي حال عمّ الإيمان قلب وعقل الإنسان المؤمن تصبح لديه إمكانات لمخاطبة الخالق العلي القدير، وذلك عبر مناجاة غير مسموعة، يحيط بها طقس من الخشوع والتوسّل والرجاء. والدعاء كلمات قلبية، وهو ما يمنحها الصدق والبراءة والعفوية، ذلك لأنها تحمل طلباً وحاجة ماسة، إذ الإلحاح في طلبها يجعلها متأكــــدة من الاستجابـــــة، كما أن الدعاء لغة حوارية لكنــــها مونـــولـــوجيـــــة ذاتية؛ بمعنى أن ثمة أصوات عديدة تختلج في الخطاب الدعائي، وهي أصوات متشابهة من حيث المصدر والغاية، ومختلفة من حيث الحجة المستعملة، واللّحظة الزمنية والاعتبارات المتجددة في نفس الداعي.
ولا يتم الدعاء إلا بالكلمات التي يصكها وينشئها الداعي، لا سيما وحين تبدأ تلك الكلمات بأسلوبي النداء والتكرار، فالداعي يصبــــح قوياً وحازماً حين يذكر أســـــماء الله الحسنى، ويــــرفع يديه كلما بلغت كلــــمات الدعـــــاء مقتضاها، وأحياناً يرفع الداعي صوته ويديه معاً حين تبلغ الكلمات الطلب لتذرف معها الدموع.
وخطاب الدعاء مختلف عن خطاب الوصية؛ لكون الوصية تنبع من الأعلى إلى الأدنى، في حين الدعاء من الأدنى إلى الأعلى، ومن المدنـــس إلى المقدس، والدعاء خلوة لغوية رغم تعدد الأمكنة، لأنه حوار في عتمة الروح قبل أن يكون في المساجد والمعابد والكنائس، والدعاء فعل كلامي أدائي، وليس فعلاً إنشائياً، لأن القول فيه يكون لما وقع فعلاً أو من المحتمل وقوعه.
وللدعاء لحظات ذروة تتجلى فيها الذات وتسمو، وقد تُذرف الدموع، ويحاسب الإنسان نفسه أثناء رفع كلمات الدعاء، فلغتـــــه مهذبة تحاول استدرار الاستعــــطاف والميل، ولا يكون الدعاء إلا بقناعــــة وامتلاء الداعي من استجابات سابقــــــة أكرم الله فيها الداعي وأمده من عنـــــده، فـــــرغم كياسة لغة الداعي وتأدب حواره إلا أن ذلك لا يعني حيازته لكل أسباب الاستجابة، فقد يحاسب صاحب الدعاء نفسه متذكراً خطايا سابقة، فيقر بالذنب والضعف، ما يجعل الدعاء لحظة لمحاسبة النفس، والوقوف أمامها من جديد، ومعها تصبح لغة الدعاء أكثر إتقاناً في محاولة لإقناع المعبود بأن الداعي هذا يستحق العفو أو الرحمة، فالدعاء تسوّلٌ لكنه من الله، وليس من الإنسان، وليس فيه كلفة إلا أن يعتمر القلب بالإيمان، فلا كُلف في الدعاء سوى صفاء النفس وقوة الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©