التقاط الصور ليس أمراً عابراً، بل هو محاورة نجريها مع الزمن الخاص، زمنٌ أمضيناه دون أن يخبرنا متى سيتبدد، أو يتجدد، أو حتى يعود. ثمة لحظات تصبح الصورة فيها وثيقة، بل تلامساً يضمّ العاطفة والمكان والحاضرين، تلامسٌ مع لحظة جمعتنا مع أشخاصٍ نادرين، أو أماكن أليفة، أو مناسبات عزيزة لا نريد لها أن تتركنا.
فالصورة تشبثٌ بجذوة الحياة التي تعدنا دوماً بالبقاء، بيد أن الصورة تقول وبكل شجاعة للماضي: لا، وتحاول جاهدة ألّا تدع تلك اللحظات تهرب من بين تلافيف سعادتنا بها. وهنا علينا أن نثق أولاً بالصورة، لأنها الوحيدة التي ستبقى حين يرحل الجميع، بمن فيهم من التقطها وأرشفها في جهازه.
لقد جعلت الصورة تلك اللحظات مستيقظة مهما عفا عليها الزمن وطمسها النسيان، فالصورة تحيي العمر، ولا تجعله ينام في خزانة الماضي، بل تبقيه مشرقاً في أذهاننا، وهي بذلك أمنية تتحقق كلما نظرنا إليها.
تجلي الفنون الخمسة أو السبعة، النحت، والرسم، والشعر، والرقص، والموسيقى.
في لحظة يُطلق عليها (لحظة الذروة)، حيث يحاول الحدس والخيال والإلهام، في أقصى قدراتهم، الوصول إلى أبعد نقطة تتجلى فيها القيمة الجمالية للفن.
وهي لحظةٌ يسبقها الكثير، وبعدها تنفرد أنت وحدك، فيحاول النحاتون صُنع تماثيل في لحظة خارقة ومتعالية، ويجتهد الرسامون لترك انطباع مدهش في لوحاتهم، في حين يحاول الممثلون ورواد فنون الأداء المختلفة بلوغ أقصى منعرجات المعنى، أما الموسيقيون فيصعدون بنا إلى ذروة التذوق والتجلي.
إن مشاهد الذروة هذه تمثل الشعلة التي يحرق فيها الفنانون المعنى ويصنعونه من جديد، ومنها - كما ذكرنا - الصورة التي يلزمها أن تعيدنا بسرعة البرق إلى لحظة وميض خارق، لحظة استطاعت أن تستدعي الماضي لا أن تمحوه، وتستحضر معه كل ذلك الشجن، أو قل الحزن الذي مضى في الواقع لكنه عاد بفضل الصورة. عليكم حقاً أن تحفظوا صوركم تلك كوثائق لا كلحظات عابرة، وأن تنصتوا إليها في هواتفكم، وتكتبوا قصصها وتسردوها لأبنائكم، فكلما أوغلت الصورة في الماضي، لمع بريقها في الحاضر.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية