الأحد 18 أكتوبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

نزار قبيلات يكتب: البحر في الأدب الإماراتي

نزار قبيلات يكتب: البحر في الأدب الإماراتي
18 أكتوبر 2026 01:38

للبحر تأثيرٌ على الأشياء من حولنا، إذ يُلبسها دلالاتٍ ومعانيَ متنوعة. فالأدب -ذلك العالم الموازي الذي يُشكّل لنا الصدق المزيف والكذب الممتع معاً- هو الوحيد الذي بفضله خرق الأدباء النواميس، واستعادوا ماضيهم بحصونه وشخوصه وأحداثه. فكل ما يفعله لنا النص الأدبي يكمن في قدرة الأدب على منحنا فرصة أخرى لنفهم ما لم يفهمنا أو فاتنا فهمه، ومن تلك المفاهيم «البحر»، ذلك الممتد بسرمدية مطلقة في أفق الغياب. 
لقد التقيتُ البحر في الأدب، وذلك لأنني من بيئة لم تلتقِ بالبحر ولم تعرفه إلا ميتاً في غور الأردن. وكان أولُ لقاءٍ مفعمٍ به في روايات الأديب السوري المعروف حنا مينه، فقد كان البحر الشخصية الرئيسة في مجمل أعماله، فشكّل معادلاً موضوعياً للحرية والانعتاق والتحرر. 
والبحر في أدب شمال الجزيرة العربية هو «الآخر» الذي جاء بحقبة الاستعمار، ثم جاء لاحقاً بمرحلة ما بعد الاستعمار، فشكّل بذلك تناقضاً في الألم وحكمته، وفي تصيير المضرة منفعة. وقد قال حنا مينه سابقاً، إن جلّ أعماله مبللة بموج البحر الصاخب، فالبحر هو المُخيّلة المناسبة للصراع والاحتدام والإبحار في تلاطم لا ينتهي ولا يُتوقع. والسائد أن البحر في الروايات الرومانسية استجمام واسترخاء ونعمة وجمالية، حيث ثنائية الشمس والبحر تولد الشاطئ وتمنح الرفاهية.
أما الأدب الإماراتي فقد قدم معادلة مختلفة في علاقته مع البحر، وذلك حين شكّل البحر للأدباء في العديد من الروايات والقصائد فضاءً للانتظار والتبصّر، انتظار أعز إنسان في الأسرة الإماراتية ألا وهو الأب. 
فقد أدهشتني حقاً صورة الأب في السرد الإماراتي، وهي صورة لا تجعل من الأب نموذجاً إنسانياً في الحنان والكد والتعب فحسب، بل كانت صورة الأب في السرد الإماراتي تجلياً خاصاً للمصير والحياة والرزق، فكلما أطال الأب الغياب اشتد الحوار مع البحر، إذ لم يعد الشاطئ مكاناً للاستجمام أو الراحة. 
فالبحر وفقاً لمطالعاتنا في السرد الإماراتي حوار وأسئلة لا تنتظر إجابات جاهزة، وهو أيضاً صنو اليابسة حين تضن السماء وتحبس خيرها عن الأرض. 
وللبحر ذاكرة هنا تزوّد الحكاية الشعبية والخرّوفة والأمثال الشعبية، وحتى السير الذاتية في الإمارات، بالحكاية، فالبحر غليون المجالس وحطب موقدها، حتى بات البحر مكوناً سردياً وتقنياً تتكئ عليه الرواية الإماراتية كملمح أسلوبي.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©