هو الشتاء إذن، قد عاد من جديد ليحلو للصباح الدفء على صوت «فيروز» وليصير للقهوة طعم الحب والهوى، ويكون للمعطف حالة الوجد والجوى، هو الشتاء الذي ننتظر، مع أول قطرة مطر استبشرت القلوب بقرب الموعد مع الفرح ومع المرح واللحظات الجميلة التي تشدو لها القلوب، وتُقام ولائم المساء على ضوء قمر، ورائحة حطب بلّله المطر وراحت تغني مع السياب «مطر، مطر».
يأتي الشتاء متثائباً ينفض غبار الوقت، يمشي الهوينا، يأخذ بأيدينا نحو التغيير بعد طقس حار لاهبٍ سكنت معه اللحظات الحلوة التي يحملها في طريقه إلينا، ومع البرد يصير للقصائد وهج وحياة، ترمشُ قلوب الشعراء وتزهر قوافيهم، ويكون للحديث عبير الورد، وخزامى السلام النفسي المنشود.
ويطل من أوردة القلب الحنين، وتدنو السنين من السنين، وتنداح الذكريات الساكنات بين «الحشا والروح»، تتداعى الصور والمواقف والوجوه والحكايات والقصص الأثيرة للقلوب، تحضر وجوه وتغيب وجوه، يتسلل الحزن يخالطه الفرح كما هي سنة الحياة والوقت والأيام، يكون للذكريات بريقها، وشجوها، وحضورها الكامن في النفس لحين شتاء.
ومع البرد والمطر وأصوات العصافير وحفيف الأشجار يتسلل النهار ليعدو سريعاً نحو الليل فيطول، يسلّم الضوء للعتمة التي تضيئها اللحظات بالدفء، وبليالي السمر، وفناجين القهوة، والتجمعات الحلوة التي تقرِّب القلوب وتتجذر وشائج التواصل لتصير الأرواح من الأرواح أقرب، الشباب مع الشباب، والكبار مع الكبار، والأطفال بين ألعابهم الطريّة يلونون الحياة بالسعادة.
نحن الخليجيون نفرح بالشتاء وننتظره فصلاً بعد آخر، وتنتابنا حالة من الترقب لحين عودته من جديد، ونصير نبحث عن البرد الذي كنا نتشاكى منه ومن قسوته ومحبتنا له، لكنّه الإنسان يضيع بين الفصول كلما حلّ فصلٌ كانت له معه حكاية جديدة، وتفاصيل كثيرة.
عندما يزورنا الشتاء نحتفي به أيّما احتفاء ويصير المهتمون بالفصول يتذكرون أشياءهم الجميلة، وقلوبهم العليلة ذات شوق وهي تردد: «طالب عليْ حْبَيّبي طلبةٍ عَسره، فالقيض يبا غِيضه وفي الشتاء بِسرَه» يا له من طلبٍ عسير وكأن الحبيب يستدعي الفصول على هواه ويطلب ما استعصى على النوال، فكيف للشتاء أن يأتي «بالبسرة» وقد راح القيض بالغيض وما جاد من الرطب، و«صمتت النخيل» ورُفعَ الحابول، وقضت الأيام ما قضت في تحولات الفصول!
وللشتاء تغني القلوب وتطرب، ومع نسيماته العليلة الباردة تكون للشجن أقرب، الشتاء موقد الشعر ورفيق الشعراء، والشتاء عذاب الشاعر إن هجرَ القصيد، فما أحلاها من عطايا!