لكبيرة التونسي (أبوظبي)
صناعة جيل مسؤول تنطلق من الأسرة وتمتد إلى المدرسة وتكتمل في المجتمع، فالمسؤولية ليست صفة تُلقَّن، بل سلوك يُبنى، وقيمة تُمارَس، وتجربة يعيشها الطفل يوماً بعد يوم منذ سنواته الأولى، فكيف نبني جيلاً مسؤولاً اجتماعياً قادراً على تجاوز التحديات؟
أولى الخطوات
أكّدت الدكتورة آمنة خميس الناخي، مؤسس ورئيس منصة «بذرة» للإرشاد الأكاديمي والمجتمعي والنفسي، أن الأطفال لا يتعلمون مما يُقال لهم بقدر ما يتعلمون مما يرونه، موضحة أنه حين يلتزم الوالدان بوعودهما، ويعترفان بأخطائهما أمام أبنائهما، ويحترمان الوقت والقانون، فإنهما يزرعان في الطفل معنى المسؤولية، حيث إن السلوك يُقلَّد أكثر مما يُعلَّم، وكل تصرّف يومي داخل الأسرة يترك أثراً في وجدان الطفل.

جيل مسؤول
وأكّدت الناخي أن مرحلة تحميل المسؤولية تأتي تدريجياً، ولا يمكن أن نطالب طفلاً بالمسؤولية فجأة، بل يجب أن يتعلمها خطوة بخطوة، ويبدأ الأمر بمهام بسيطة تناسب عمره: كترتيب غرفته، وإدارة مصروفه، والالتزام بوقت المذاكرة، والأهم من ذلك ألا نتدخل فور وقوع الخطأ، بل نترك له مساحة آمنة ليتعلم من العواقب، فالخطأ في أسرة داعمة هو أحد أعظم أدوات التربية. وتحدّثت عن أهمية فصل الحرية عن المسؤولية، قائلة: من الأخطاء الشائعة فصل الحرية عن المسؤولية، فالحرية امتياز مرتبط بالالتزام، كاستخدام الهاتف والخروج مع الأصدقاء واختيار وقت اللعب. وكلها حريات يجب أن تقترن بمسؤوليات واضحة، حين يفهم الطفل هذا الربط، ويتعلم أن لقراراته نتائج، وأنه شريك في تنظيم حياته.
الحوار
الحوار داخل الأسرة عنصر أساسي في بناء المسؤولية، بحيث أوضحت الناخي أن التربية بالأوامر وحدها تصنع طفلاً مطيعاً مؤقتاً، لا شخصاً مسؤولاً. ويجب أن نسأل الطفل: ما رأيك؟ ماذا ستفعل؟ ماذا تتوقع أن يحدث؟ وعندها ندرّبه على التفكير، وتحمّل القرار ونتائجه، والحوار يعلّم الطفل أن المسؤولية اختيار واعٍ، والحديث عن المسؤولية لا يكون من دون الحديث عن القيَم. وتشير إلى أن المسؤولية الحقيقية لا تنبع من الخوف، بل من الضمير والإيمان، واحترام الذات والآخرين، والطفل الذي يفهم أسباب الالتزام والاحترام، وإنجاز الواجبات، يكون أقدر على الاستمرار حتى في غياب الرقابة.

وضوح واستقرار
وأكّدت الناخي على دور الأسرة والمدرسة في تعزيز الشعور بالمسؤولية، وقالت: لا تكتمل هذه المنظومة من دون تعاون حقيقي، فالمسؤولية المشتركة تبدأ من اجتماعات دورية بين ولي الأمر والمعلّم، بحضور الطالب نفسه، ليشعر أنه طرف أساسي في العملية التربوية. وهذا التناغم يمنح الطفل وضوحاً واستقراراً، ويمنع التناقض الذي يربكه ويضعف إحساسه بالمسؤولية، وتزداد أهمية هذا التعاون منذ الطفولة المبكرة، حيث تتشكل جذور الشخصية بوضع روتين يومي ثابت للنوم واللعب والطعام، لاسيما أن الروتين يصنع انضباطاً داخلياً، مع تحمّل مسؤوليات صغيرة مثل ترتيب الألعاب أو سقي النباتات، ما يزرع الشعور بالقدرة والاستمرارية.
التعلّم باللعب
عن أهمية اللعب في سنٍّ مبكرة أوردت الناخي أن التعلم باللعب وسيلة فعالة لبناء المسؤولية، من خلال ألعاب الأدوار والعمل الجماعي، وتعليم الطفل التعبير عن مشاعره بدلاً من كبتها، بحيث يتعلم كيف يطلب، ويعتذر، وينتظر، ويكون أكثر قدرة على ضبط سلوكه. أما ما يجب تجنّبه، فهو المقارنة بين الأطفال، والحماية الزائدة، والصراخ أو التخويف، وأداء المهام بدلاً عن الطفل، فهذه الممارسات تُضعف الاستقلالية وتؤخِّر النضوج، فالطفل المسؤول، هو القائد المتزن في المستقبل.
تعزيز الانتماء
أشارت الناخي إلى أنه من أهم ما تحتاجه الأسرة في التربية، هو السماح بالفشل الآمن، فالخوف المفرط على الأبناء يحرمهم من التجربة، بينما الفشل الصغير اليوم يمنع الفشل الكبير غداً. والطفل الذي يُمنح فرصة المحاولة، حتى مع الخطأ، ينمو أكثر قوة وثقة وقدرة على تحمّل المسؤولية. كما أن تعزيز الانتماء داخل الأسرة يلعب دوراً محورياً في صناعة جيل مسؤول، وحين يشعر الطفل بدوره داخل الأسرة، والمدرسة، والوطن، يتحمّل المسؤولية بدافع الشعور بالأهمية، لا بدافع الخوف، فالانتماء يولّد الالتزام، والالتزام يولّد السلوك المسؤول.