محمد المنى (أبوظبي)
تشارك نيجيريا في إكسبو 2020 دبي بواحد من أهم الأجنحة الأفريقية، عارضةً من خلاله تراثَها الثقافي وإرثَها الحضاري وأهمَّ إنجازاتها في المجالات التنموية الحديثة، بالتركيز خاصةً على تجربتها الناجحة في القضاء على الجوع، والتي جعلتها من رواد استكشاف الحلول التقنية للتحديات الزراعية القديمة.
وتمثل نيجيريا أكبرَ اقتصاد في القارة الأفريقية، وأحدَ أكثر اقتصاداتها نمواً خلال الأعوام الماضية الأخيرة، وهي صاحبة أضخم قطاع صناعي في القارة، واشتهرت بوصفها بلداً بترولياً بالأساس، إذ تعد أكبر منتج أفريقي للنفط، حيث تشكل عائدات تصدير الطاقة الأحفورية ثلثي مداخيل خزينتها العامة.
لكن مع ذلك يظل قطاعُ الزراعة القطاعَ الأكثرَ أهميةً في الحياة الاقتصادية النيجيرية، إذ يشكل نحو 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويوظف حوالي 70 في المئة من القوى العاملة، بل هو أساس الاقتصاد النيجيري والمصدر الرئيسي لكسب الرزق بالنسبة لمعظم النيجيريين، كما جاء في أحدث تقارير «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة» (الفاو).
ويشكل إنتاج المحاصيل نسبة 90 في المئة من القطاع الزراعي النيجيري، أما 10 في المئة المتبقية فتتقاسمها الثروة الحيوانية والغابات وصيد الأسماك. ويتوفر القطاع على كثير من عوامل التوسع والنمو والازدهار، خاصة العمالة الكثيفة والموارد الطبيعية الوفيرة. فنيجيريا أكبر بلد في القارة من حيث حجمها الديموغرافي (نحو 220 مليون نسمة)، وهي تتوفر تاريخياً على عمالة تملك المهارة الزراعية الكافية. كما تبين «الفاو» أن نيجيريا لديها أكثر 80 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، أي ما يمثل قرابة ربع الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة غرب أفريقيا ككل.
عانى القطاع الزراعي النيجيري لسنوات جراء نقص التحديث التكنولوجي، وضعف الأساليب التسويقية، وغياب الاتساق في السياسات الاقتصادية، والافتقار للبنية التحتية الكافية لربط مناطق الإنتاج الزراعي بموانئ التصدير، لذلك لم يتجاوز نصيب القطاع نسبة 10 في المئة من إجمالي عائدات التصدير.
بيد أن نيجيريا ظلت لاعباً هاماً في زراعة المحاصيل، بل أحد أكبر المنتجين للمحاصيل النقدية مثل المحاصيل الشجرية (زيت النخيل، وقصب السكر، والكاكاو، والقطن، والمطاط، وجوزة الهند)، والحبوب (الأرز، والقمح، والذرة، والدخن)، والمحاصيل الجذرية (الكسافا، والبطاطا، والبطاطس)، والبقول (الفول السوداني، وفول الصويا، والفاصوليا)، والفاكهة (الطماطم، والبرتقال، والمانجو، والأناناس، والجوافة، والموز). وهذا بالإضافة إلى معالجة الأغذية وتعليبها وحفظها، وكذلك الإنتاج الحيواني والثروة السمكية.
وبفضل حجم الاستثمارات الزراعية في نيجيريا (والبالغة حتى الآن حوالي 5.6 مليار دولار)، والتزايد الكبير في عدد شركات البذور وتوريد المعدات الزراعية والصناعات الغذائية، علاوة على السياسات الاقتصادية المعتمدة في نيجيريا.. فإن القطاع الزراعي النيجيري آخذ في النمو والتوسع منذ سنوات. وقد وضعت الحكومة النيجيرية آلية لتمويل المشروعات الزراعية بهدف تحفيز الاستثمارات في القطاع، كما اعتمدت نظاماً للإقراض قائماً على تقاسم المخاطر، وبفضله باتت البنوك تمنح المزارعين قروضاً أكثر من أي وقت مضى، حيث ارتفعت حصة الإقراض للزراعة كنسبة من إجمالي الإقراض المصرفي من 2 في المائة عام 2011 إلى 5 في المائة عام 2013 ثم إلى 9% عام 2014.
وشكلت الزراعة في نيجيريا جزءاً مهماً من عمليات التصدي لتداعيات الأعمال الإرهابية وما ترتب عليها من نزوح نحو 2.5 مليون شخص أصبح بعضهم عرضةً للجوع. فقد تلقى عشرات الآلاف من اللاجئين التدريب وحصلوا على المعدات اللازمة لإنشاء أنظمة ري بالتنقيط، خاصةً أن معظم مخيماتهم مكتظة وتعاني من نقص الماء، وتقع العديد منها في مناطق ذات ظروف مناخية قاسية، حيث يقل هطول الأمطار، ويسود الجفاف وترتفع درجات الحرارة، مما يصعِّب زراعة الغذاء.. وهو وضع يتفاقم في ظل التغير المناخي.
وقد قامت إحدى الوكالات الحكومية بالتعاون مع «الفاو» وبعض الجامعات النيجيرية، بتطوير تقنيات لزراعة المحاصيل بأقل قدر من استخدام المياه في إطار ما يسمى «الزراعة الذكية مناخياً»، مما شجع النازحين على الزراعة وساعد الكثيرين منهم على تحسين نوعية حياتهم وحياة أسرهم في المخيمات، وعلى زيادة دخلهم أيضاً. كما سمح برنامج تعاون آخر بين الحكومة النيجيرية والصين و«الفاو»، بنشر أكثر من 600 خبير وفني صيني في نيجيريا، وبإدخال مجموعة عريضة من التكنولوجيات الزراعية في مقدمتها تقنية الري بالتنقيط.. مما أفضى إلى زيادة الإنتاجية وتحسين الدخل لدى سكان المناطق الريفية. وبطبيعة الحال صاحب توسعَ القطاع الزراعي توسعٌ ملحوظ في استخدام التقنيات الزراعية الجديدة، وذلك بفعل متغيرات رئيسية مثل زيادة الاستثمار في القطاع، والبرامج الحكومية المحفِّزة والداعمة، وعودة بعض النيجيريين ممن عاشوا في الغرب سنوات طويلة من حياتهم لينشؤوا مشاريعهم الزراعية الخاصة ذات الميكنة العالية.
وقد تركزت التحسينات التقنية الجديدة في المجال الزراعي النيجيري على الجوانب الصديقة للبيئة، فنيجيريا من الدول المعنية بمراجعة مقدار التقدم المحرَز في أهداف التنمية المستدامة أو أجندة 2030، وهي دعوة عالمية تبنّتها 193 دولة (بينها نيجيريا نفسها) للعمل من أجل القضاء على الفقر وتأمين كوكب الأرض وضمان تمتع الجميع بالسلام والازدهار بحلول عام 2030، ولذا فهي معنية بهذه الأجندة على الصعيد الداخلي أيضاً، وقد عملت على الأخذ بكثير من مقومات التنمية المستدامة، وفي مقدمتها سياسات الطاقة والبيئة، بما يلبي حاجات الأجيال الحاضرة ويحفظ حقوقها للأجيال المقبلة.
تحول كبير في الطاقة المتجددة
تشهد نيجيريا تحولاً كبيراً في قطاع الطاقة المتجددة وتقنياته التي باتت أرخص تكلفةً من ذي قبل، خاصة مع زيادة الوعي البيئي للمستثمرين والمواطنين النيجيريين العاديين، إلى جانب الاتجاه الرسمي المتصاعد نحو إنشاء مشروعات طاقة نظيفة. وتنوي نيجيريا إنتاج 30 غيغاواط من الكهرباء بحلول عام 2030، على أن تشكّل الطاقة المتجددة نسبة لا تقلّ عن %30 من مزيج الطاقة الوطني بحلول ذلك العام.
لذلك يعد قطاع الطاقة المتجددة أحد القطاعات الآخذة بالازدهار في نيجيريا، خاصة منذ أن قررت حكومتها السعي للتغلب على نقص الطاقة وتنويع مصادر الحصول على التيار الكهربائي. وقد قدّمت حلول الطاقة المتجددة دعماً مهماً للمراكز الصحية في المناطق النائية والمعزولة إبان تفشِّي وباء «كوفيد-19»، وساعدت على خلق صورة ذهنية إيجابية لدى النيجيريين حول أهمية الطاقة النظيفة لتوفير الكهرباء.
وحيث إن التعافي العالمي بعد وباء «كوفيد-19» يركز على زيادة استخدام الطاقة المستدامة، فإن صنّاع القرار الاقتصادي والتنموي في نيجيريا ينظرون بجدية إلى الاهتمام الكبير الذي توليه مؤسسات التمويل العالمية لإقراض الدول النامية تمويلات بفوائد ميسرة للتوسع في تنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة، سعياً لتقليص الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.
وكانت الحكومة النيجيرية قد حددت قبل بضعة أشهر من الآن معايير جديدة لقطاع الطاقة المتجددة لتحقيق أجندة التنويع الاقتصادي النيجيرية، وتتمثل في تركيب مزيد من الألواح الكهروضوئية، وتوفير العدد الكافي من أجهزة التحكم في الشحن، وإتاحة العاكسات والبطاريات بأقل الأسعار. وتهدف هذه المعايير إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة، وتحسين الوصول إلى الكهرباء في نيجيريا. ويحقق التوجه نحو ترسيخ وتكريس خيار الطاقة النظيفة، كبديل للطاقة الأحفورية في نيجيريا، الكثير من المنافع والمزايا لصالح الزراعة والمزارعين ومناطقهم الريفية، إذ يحسّن حياتَهم ويرفع إنتاجيتَهم، وبالتالي يساهم في مكافحة الجوع وفي تحقيق الأمن الغذائي للنيجيريين.. كما يخفف عبأ الفاتورة السنوية للطاقة عن كاهل الميزانية العامة للدولة النيجيرية. وكل ذلك يصب في خانة القضاء على الجوع وعلى المخاطر التي تهدد سلامة البيئة وصحة الإنسان وأمنه الغذائي، كما يشير شعار الجناح النيجيري في إكسبو 2020 دبي.