الإثنين 3 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
علوم الدار

محمد علي الشرفا يكتب: كيف تُبنى المدن الأكثر تنافسية؟

محمد علي الشرفا
3 أغسطس 2026 01:24

يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن جودة الحياة مشهد الحدائق والشواطئ والمرافق العامة، غير أن التجارب الحضرية الأكثر تقدُّماً لم يَعُد يُنظر إليها باعتبارها مجرد عناصر للرفاه، بل خياراً استراتيجياً يدعم التنمية، ويعزّز التنافسية، ويشكّل أحد أُسس ازدهار المدن.
فالدول اليوم لا تتنافس فقط على جذب رؤوس الأموال، بل على استقطاب العقول، والكفاءات، وروّاد الأعمال، والشركات العالمية، والمواهب القادرة على صناعة اقتصاد المستقبل. وهذه الفئات لا تبحث عن بيئة أعمال متطوّرة فحسب، وإنما عن مدينة توفر سهولة التنقل، والسكن الملائم، والمساحات العامة النابضة بالحياة، والتجارب الثقافية الراقية، والنظام الصحي المتطور، والنُّظم التعليمية الحديثة، والخدمات الرقمية المتقدمة، والبيئة الآمنة والمستدامة. ومن هنا، أصبحت جودة الحياة جزءاً من معادلة النمو الاقتصادي، وليست مجرد مؤشّر اجتماعي يقيس مستوى رفاه السكان.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت أبوظبي بوصفها واحدة من المدن التي تبنّت هذا المفهوم بصورة واضحة، فبدلاً من التعامل مع التخطيط الحضري باعتباره عملية تطوير للبنية التحتية فقط، اتجهت الإمارة إلى بناء نموذج تنموي أكثر شمولاً، يقوم على الربط بين جودة الحياة، والتنقّل، والإسكان، والاستدامة، والتحول الرقمي، وجاذبية الاستثمار. وفي قلب هذا التحول، لعبت دائرة البلديات والنقل دوراً محورياً في صياغة منظومة حضرية تنظر إلى المدينة كوحدة متكاملة، لا كمجموعة من المشاريع المنفصلة.
ويمكن ملاحظة هذا التحول عند النظر إلى المبادرات التي أُطلقت خلال الأعوام الماضية، فعلى الرغم من تنوّعها بين تطوير الحدائق، وتوسعة شبكات التنقل، وتعزيز الاستدامة، وتطوير الخدمات الرقمية، ورفع كفاءة البنية التحتية، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أنها تخدم هدفاً واحداً يتمثّل في بناء مدينة أكثر قدرة على استيعاب النمو الاقتصادي وتحسين تجربة الحياة اليومية.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى هذه المبادرات مجتمعةً، لا باعتبارها إنجازاتٍ منفصلةً أو أرقاماً متفرّقة، بل بوصفها مكونات لنموذج تنموي متكامل، فالاستثمار في المساحات العامة، على سبيل المثال، لا يقتصر أثره على توفير أماكن للترفيه، بل يسهم في رفع قيمة المناطق العمرانية، وتحسين الصحة العامة، وتعزيز الترابط المجتمعي، وزيادة جاذبية المدينة للسكان والمستثمرين على حدٍّ سواء. والأمر ذاته ينطبق على الاستثمار في النقل المستدام، الذي لم يَعُد يهدف فقط إلى تسهيل الحركة، وإنما إلى خفض زمن التنقل، وتحسين الإنتاجية، وتقليل الانبعاثات، ورفع كفاءة الاقتصاد الحضري.
كما أن التحول الرقمي لم يَعُد يقتصر على رقمنة الخدمات، بل أصبح أداة لدعم اتخاذ القرار، ورفع كفاءة إدارة الأصول، وتوقُّع احتياجات المدينة قبل ظهورها، بما يجعل التخطيط الحضري أكثر استجابةً للتغيرات السكانية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، لم تَعُد الاستدامة البيئية هدفاً مستقلاً، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية تسعى إلى بناء مدينة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وتؤكد التجارب العالمية أن المدن التي تنجح في هذا النوع من التكامل هي الأكثر قدرة على المنافسة في العقود المقبلة، فالعاصمة التي توفر بيئة حضرية متكاملة لا تجذب السكان فحسب، وإنما تجذب أيضاً الاستثمارات والشركات العالمية، لأنها تُقلل كلفة ممارسة الأعمال، وترفع جودة الخدمات، وتُعزّز استقرار بيئة الاستثمار.
تُمثِّل تجربة أبوظبي مثالاً على انتقال مفهوم جودة الحياة من كونه سياسة خدمية إلى كونه سياسة اقتصادية، فالاستثمارات في البنية الحضرية، والتنقُّل، والإسكان، والمساحات العامة، والاستدامة، لم تُنفّذ باعتبارها مشروعات مستقلة، بل كجزء من رؤية أوسع تستهدف بناء مدينة أكثر تنافسية، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمار، وأكثر استعداداً لمتطلبات المستقبل.
ولعل هذا ما يفسّر أن الحديث عن جودة الحياة في أبوظبي لم يَعُد ينفصل عن الحديث عن الاستثمار، أو العقار، أو الاقتصاد، أو الابتكار، فهذه الملفات لم تَعُد تتحرك في مسارات متوازية، وإنما أصبحت تتقاطع ضمن رؤية واحدة ترى أن المدينة الناجحة هي التي تستثمر في الإنسان أولاً، لأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.
ومع استمرار تنفيذ المبادرات الحضرية، واستضافة فعاليات دولية مثل معرض «ليفكس 2026»، تُبرز أبوظبي نموذجها التنموي أمام العالم، ليس باعتباره مجموعة من المشاريع أو المؤشرات، بل تجربة تؤكد أن جودة الحياة لم تَعُد رفاهية حضرية، وإنما أصبحت أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والتنافسية في القرن الحادي والعشرين.
رئيس دائرة البلديات والنقل - أبوظبي 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©